يشهد مجتمعنا في الوقت الحالي التطبيق العملي لقانون الضمان الصحي الالزامي (التأمين الطبي) ليشمل جميع الوافدين من رجال ونساء وفي الجزء الاول من هذا المقال تطرقنا الى الجهات الثلاث الاولى المتعاملة مع الضمان الصحي (وهي مجلس الضمان الصحي، وشركات التأمين، ومراكز تقديم الخدمات الصحية) اذ تحدثنا عن الفرص والتحديات التي تقابلها مع تطبيق الضمان الصحي، واليوم نستكمل الحديث عن الطرفين المتبقيين (الجهات الملزمة بالتأمين على مكفوليها، وحاملي بطاقة الضمان الصحي).
ففيما يخص الجهات الملزمة بالتأمين على مكفوليها (الشركات التجارية والمؤسسات والافراد) فقد خفف التأمين من الاعباء الادارية التي كانت تثقل كاهل الشركات في متابعة علاج منسوبيها، وما يتبع ذلك من تعاقدات مرهقة وحسابات معقدة، هذا بالاضافة الى عدم رضى جميع الموظفين عن محدودية قائمة مراكز تقديم الخدمات الصحية التي كانت متاحة لهم. اما مع وجود الضمان الصحي فقد زادت تلك القائمة بشكل كبير، مما انعكس ايجابا على مستوى رضى الموظف عن المنشأة التي يعمل فيها، الامر الذي سيؤدي في النهاية الى تحسين جو العمل لدى الكثير منهم.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان غالبية الجهات الملزمة بالتأمين على منسوبيها لازالت تكتشف عالم التأمين الواسع. فعلى الرغم من ان العديد منها هي جهات مؤهلة وناجحة في مجال تخصصها، الا ان التأمين هو مفهوم جديد بالنسبة اليها، وعادة ما يتم اسناد تلك المهمة الى مدير الموارد البشرية او المدير المالي كعمل اضافي. لذا فمن اجل رفع مستوى الوعي لدى تلك الجهات (خاصة الكبيرة منها) فانه من الواجب عليها تعيين شخص مختص بالتأمين لكي يتابع موضوع الضمان الصحي بشكل متقن، ولكي يرعى مصالح شركته فيما يتعلق بهذا الشأن، واني لأعجب من بعض الشركات المحلية التي تصل فاتورة التأمين التي تدفعها الى ملايين الريالات سنويا، ومع ذلك يظل موضوع التأمين فيها تائهاً بين اداراتها المختلفة واقسامها لكي يدلي كلٌّ برأيه ويغني على ليلاه.
وفي الختام انهي المقال بالحديث عن اهم اطراف الضمان الصحي (الطرف الذي تم في الاساس سن هذا القانون من اجل خدمته) وهو حامل بطاقة الضمان الصحي. فلقد سد وجود هذا القانون فجوة كبيرة كانت موجودة في مجال توفير الرعاية الصحية الاساسية لغير السعوديين ممن تمت دعوتهم بشكل نظامي للمساهمة في دفع عجلة النهضة في بلادنا العزيزة الى جانب ابناء هذا الوطن المعطاء.
ففي مرحلة سابقة كانت مهمة علاج موظف القطاع الخاص منوطة برب العمل فقط فهو الذي يحدد وقت العلاج وجودته. مما قد يغري بعض ضعاف النفوس بالتهاون في تقديم هذا الحق الاصيل الذي اقره قانون العمل، بغية خفض النفقات (غير المبررة بحسب راي بعضهم) لقد كفل قانون الضمان الصحي حدا معقولا من العمل. ان شاء عالجه، وان شاء تركه لألمه فريسة للمرض. وهنا يأتي دور ترشيد استخدام خدمات الضمان الصحي من قبل المستفيدين منه: حيث ان سوء الاستخدام سيؤدي الى عواقب كثيرة لن تحمد عقباها، منها رفع سعر التأمين وخفض عدد وجودة مراكز تقديم الخدمات الصحية.
على العموم لقد احدث قانون الضمان الصحي حراكاً تشريعيّاً واقتصاديّاً جيدين في مجال الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية. والامل في الله – العلي القدير – اولا، ثم في جميع الاطراف المشاركة فيه ان تتضافر جهوها للعمل بدأب على تطوير هذه المنظومة واثرائها بغية الوصول الى نظام ضمان صحي يتمتع بالكفاءة والعدل، فما تم إلى الآن شيء رائع جدّاً.. لكنها الخطوة الاولى في مشوار الألف ميل.
*مختص في مجال التأمين
ص.ب 40136 جدة 21499
