العالم بين معرفة السلم وعسكرة المعرفة

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]عبدالحميد سعيد الدرهلي[/COLOR][/ALIGN]

اذا نظرنا الى ما اصبح عليه العالم الآن، نجد صورة مخيفة حقاً تتألف عناصرها من السمات التالية:
تركيز شديد في القوة بالمعرفة، اتساع الهوة بين من يعرف ومن لا يعرف، تهميش دور الامم المتحدة التي اصبحت غير قادرة على أخذ زمام المبادرة والفعل، الالتفاف على الشرعية الدولية، ضرب المواثيق الدولية التي ناضل العالم من أجلها أكثر من نصف قرن عرض الحائط مقابل سيادة نظريات كثيرة مثل: نهاية العالم، وصراع الحضارات والتي اصبحت مرجعية اقوى دولة في العالم.
إن مأساة عصرنا تكمن في ان الحروب والصراعات والاقتتال اصبحت هي القاعدة، والسلم والهدوء والاستقرار هو الاستثناء، والسبب يعود لظهور القطب الأوحد والأقوى، وغياب التوازنات الاقليمية والدولية، واصبح المهيمن على العالم يمتلك قدرات وقوة لم يشهدها العالم من قبل، وابتدع هذا المهيمن والمسيطر حروبا جديدة ومخيفة، حروبا بلا خسائر بشرية في صفوف المعتدين، حرب الطائرات والصواريخ التي تدمر كل شيء على الارض، وتكلفتها تكون من دماء الشعوب التي يهدرها النظام العالمي الجديد الذي يستقطب كل الثروة، فلا يعقل ان يتم عسكرة الارض والجو والبحر بالمعرفة العسكرية، ولا يعقل ان تصل تكلفة الحرب الامريكية الدائرة في اكثر من مكان في العالم الى اكثر من 15 مليار دولار في الشهر الواحد.
إن الخالق العظيم وهب الارض للبشر، وسخر لهم كل شيء للنفاذ الى المعرفة، وهو حق جمعي لكل البشر، ولكن التفاوت الكبير والواضح في قدرة الشعوب والأمم على النفاذ الى المعرفة، او ما نسميه اليوم بالهوة المعرفية او بالهوة الرقمية، هو القاعدة ذاتها التي يبني عليها النموذح المعرفي الكوني الراهن والقائم على ثنائية \”النواة\” المدارات، فبقدر ما يكون المدار نائياً عن النواة بقدر ما تكون البلدان الواقعة في ذلك الدار متخلفة معرفيا وتكنولوجيا مقارنة بالبلد او البلدان – النواة، حيث باتت المناداة بنفاذ عادل ومتكافئ الى المعرفة ألح وأشد الطلبات الصادرة عن بلاد الجنوب المنهمشة معرفيا وتكنولوجيا، كما اضحت الحاجة الى العمل المشترك من اجل تضييق الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب، حيث يزدهر الشمال في صناعة التكنولوجيا وصناعة الاسلحة والصواريخ، ويصدرها الى الجنوب ليحارب بها في صراعات لا اول لها ولا اخر.
وهذا يقودنا الى القول ان النظام العالمي الأوحد – القطب الواحد – لم يعد يمتلك الفكرة الانسانية القابلة للانتشار او المعرفة السلمية القادرة ان تجد لغة مشتركة مع الأمم الاخرى، بل اصبح القطب الواحد يمتلك عسكرة الفضاء وعسكرة المعرفة لغايات الحرب، والدمار وليس لغايات البناء والتطوير.
وعلينا ان نتساءل اذا كانت المعرفة غير المعسكرة \”المعرفة السلمية\” او المدنية مؤهلة لان تلعب دورا رياديا في اعادة صياغة التوازنات العالمية ضمن نظام دولي جديد قائم على تعددية استقطابية، نظام اكثر عدالة وانصافا بخصوص توزيع النفوذ والثروة، وقادر على توفير اسباب الامن والسلم والتعاون من اجل النماء والرخاء، والتقدم المشترك بالبشر، وان ارتقاء المعرفة السلمية الى منزلة العامل المؤثر على التوازنات الدولية يفترض بالضرورة تراجع الحاجة الى عسكرة المعرفة الجنونية وخاصة على النمط الامريكي.
اما الشروط التي ينبغي توفرها لتحقيق التراجع المنشود فيمكن اختزالها فيما يلي:
1- الاحتكام الى شرعية اممية سامية وديمقراطية نافذة في حل القضايا والنزاعات.
2- احترام كل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات الموقع عليها من قبل القوى النووية الكبرى، منها والصغرى والرامية الى الحد من انتشار الاسلحة ذات الدمار الشامل.
3- وضع حد لممارسات الاكراه والتمييز في التعامل مع قضايا وصراعات العالم وعدم ممارسة الكيل بمكيالين، والعصا والجزرة او العصا بدون جزرة احيانا.
إن مطلب الشعوب يتركز على وجود نظام دولي جديد مؤسس على شرعية اممية ديمقراطية عادلة وناجزة، وعلى تسخير المعارف والعلوم والموارد الانتاجية المتاحة لصالح تنمية شاملة كونية مستدامة تضامنية، وهو الكفيل الوحيد باعادة صياغة التوازنات العالمية على قيم السلم، ونبذ العنف والتعاون والتضامن بين الشعوب والامم.
مدير وزارة التخطيط / متقاعد
فاكس 6658393

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *