الأرشيف دولية

وجهة شراع أنان في بحر عالمي هائج

سامر الياس
لا يخطئ من يعتقد أن مهمة الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي أنان لتسوية الأزمة السورية، كموفد للهيئة الدولية والجامعة العربية، هي من أخطر المهام التي واجهته في حياته المهنية. فالدبلوماسية والثقة بالنفس التي يبديهما الرجل في لقاءاته بالدوائر المعنية بالأزمة، وخبرته في حل المشاكل المستعصية، لا تكفيه، كما لن يُنجح مهمته الكلام المشجع والداعم الذي يلقاه في كل مكان يذهب إليه، فقد جاء إلى حلبة ساحة تتصارع فيها إرادات مختلفة النوازع والجنسيات، رغم كل ما يقال عن عدم تدويل القضية السورية، والعمل على أن يحل السوريون مشاكلهم بأنفسهم بعيداً عن التدخلات المؤذية..
أنان أقر، منذ بداية مهمته، بصعوبة ما يتوجب عليه إنجازه، ولاسيما أنها تأتي بعد وساطات ومبادرات، بل ودعوات سورية وخارجية للوقوف مع هذا الطرف ضد ذاك، وتسليح المعارضة وتوفير الدعم المالي والعسكري لها.. ولا تبدو خطته، التي سمع من الأطراف كلها المديح لها، مختلفة عن سابقاتها العربية والصينية والروسية، مع إغفال اختلافات صغيرة ربما أجل أنان الحديث عنها لضمان الإقلاع المريح لرحلة يتوقع هو ذاته أن تكون طويلة ومتعبة.انتظر العالم، ولنقل الأسرة الدولية، قرابة العام لتفكر بإرسال مبعوث لها إلى سورية، بعدما ثبت استحالة التفرد باتخاذ القرارات، على نحو ما جرى في ليبيا، وتغيير الأنظمة بالقوة، وحتى من دون التفكير بما ينبغي فعله في اليوم التالي لقلب أنظمة الحكم، وما هي هوية البديل المطروح. ويدرك أنان، أكثر من غيره، أن حل المسألة السورية يحتاج إلى الكثير من الوقت.
ويعي أنان أن مهمته تأتي في ظل عجز، أو تردد، القوى الكبرى، في فعل ما هو أكثر من الكلام، أو العقوبات، في الحالة السورية.. بل إن الاتحاد الأوروبي وسع من دائرة المشمولين بالعقوبات فيما كان المبعوث الأممي- العربي يستمع من الأسد ردوده على خطة حل الأزمة. وقد بات أنان على علم بما أبدته معظم الدول العربية إزاء الحالة السورية.هكذا يبدو طريق أنان مليئاً بالصعاب، فالسلطة السورية التي كانت ترفض الحوار مع معارضي الخارج توافق على ذلك الآن، فيما ترفض المعارضة أي نوع من التفاوض قبل رحيل الأسد وهو ما لم تتضمنه خطة أنان. وزادت المعارضة من انتقادها لأنان بالقول إنه يمنح المزيد من الوقت لنظام «يقتل شعبه». وبحثاً عن الحل السياسي المنشود يرى المسؤول الأممي السابق ضرورة حل المشكلات الإنسانية، ووقف القتال بين جميع الفرقاء، وهو ما ترفضه المعارضة المسلحة التي استبقت وصول عنان إلى موسكو بالإعلان عن توحيد صفوفها في ظل قيادة عسكرية واحدة وموحدة ما يعني أنها ماضية في خطتها لإسقاط النظام بالقوة، وفي هذا الإطار اعترف أنان «بأنه سيكون من الصعب التوصل لاتفاق لوقف إراقة الدماء:. وأضاف: «سيكون الأمر شاقاً. سيكون صعباً لكن علينا التحلي بالأمل».ورغم إعلانه الشعور بالتفاؤل لنجاح مهمته، إلا أنه من الصعب عليه فعل الكثير، كما يرى بعض المراقبين للشأن السوري، وللتجاذبات العربية والعالمية، فعليه بذل كثير من الجهد ليقنع النظام أن قوته أقل من قوة أعدائه، وعليه إقناع من فوضوه بالمهمة أنه من الضروري الاعتماد على عامل الوقت، إذ لا حاجة للخروج بحل سريع للأزمة برمتها، بل لابد من التركيز على تجنب اراقة الدماء قدر المستطاع.. ثم عليه إقناع فرقاء النزاع، وعلى رأسهم معارضة غير موحدة حتى الآن، أن الحوار مهم، وأن المفاوضات هي نهاية كل صراع بين طرفين، وبهذا المعنى يجب على السوريين الجلوس وراء طاولة واحدة للحوار والمصالحة ثم بعد ذلك يأتي «(القبول) بالتغيير وتبني إصلاحات تضع الأسس المتينة لسورية ديمقراطية ولمجتمع سلمي ومستقر ومتعدد ومزدهر على قاعدة الحق واحترام حقوق الإنسان».وإذا كان أنان قد حثَّ الرئيس الأسد، خلال مباحثاته معه «على العمل بالمثل الأفريقي الذي يقول «لا يمكنك تغيير اتجاه الريح ولذا غيِّر اتجاه الشراع»، فإنه يبدو أكثر حاجة للعمل بهذه النصيحة في ظل الرياح التي تعصف بسفينته، ولا سيما أنه لم يأخذ من الدول التي زارها سوى عبارات الدعم والتشجيع، وهي غير كافية لانجاز مهمته التي تحتاج إلى أكثر من بيانات الدعم حتى وإن كانت رئاسية وصادرة عن الأمم المتحدة.ويبقى السؤال: ما الذي يستطيع أنان فعله لحل الأزمة السورية؟. وهل ستستغرق مهمته أسابيع أو شهوراً؟. ولعل التحدي الأكبر هو التوصل إلى حل سياسي للأزمة يحقق التغيير المطلوب، ويحقن الدماء ويحترم كرامة الإنسان وحقوقه وسيادة القانون في أسرع وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *