عبدالدائم السلامي
عامٌ مضى على ثورة تونس، غير أنّ أغلبَ الكُتّابِ العربِ ما يزالون يراوحون أمكنتهم في النظر إلى الواقع رغم تفشّي ظاهرة الثورةِ فيه، بل هم لم يستفيدوا من خيرات هذه الثورةِ التي فتحتْ أمامَهم خزائنَ البلاغةِ لإصابةِ أكبادِ المعاني المرتجفةِ فيهم من فرطِ الصّمتِ، فلم يجوِّدوا لغتَهم، وظلّوا صامتين. وأجزمُ أنّهم سيبكون بمرارةٍ، لأنّ اللحظاتِ الثوريّةَ لا تتكرّرُ في الزّمن البشريِّ كثيرًا، بل سيندمون على كونهم لم يُتَوْنِسُوا ألفاظَهم، يومَ كان الشعبُ التونسيُّ يَنْحَتُ من أجسادِه ألفاظَ قاموسِ الكرامةِ والحريّةِ والعدلِ ويوزِّعُها شبابُه في الشوارع وعلى الفيسبوك ياسمينًا من اللغةِ.
ومن فضائلِ ثورةِ تونس على النُّخبَ السياسيّةِ أنّها عرَّفتْهم إلى أنفُسِهم وعَرَّتْ فيهم حقائقَهم وواجهتْهم بها دون تجميلٍ بلاغيٍّ، إذْ فتحتْ عيونَهم على أنّ الثورةَ تكونُ أحيانًا أسرعَ من الثُوّارِ المُتَمَتْرِسين بالإيديولوجيا وشعاراتِها، بل وتستطيعُ أن تسبِقَهم إلى أحلامِهم وهي حافيةُ القدميْنِ تجري على الأشواكِ.
ولئنْ كنّا نؤمنُ بأنّ الثورةَ التونسيّةَ حالٌ فريدةٌ لا تتكرَّرُ بمواصفاتِها في الواقعِ العربيِّ مرَّتيْنِ، فإنّ من أفضلِ فضائلِها أنّها فتحت أعيُن الشعوبِ المكلومةِ في حرّيتِها وكرامتها من قِبَلِ طُغاتِها على إمكاناتها الذاتية في التغيير والتوحُّدِ في رَجُلٍ واحدٍ له هدفٌ واضحٌ ووسيلةٌ واضحةٌ، وتمدّها بأسبابِ النجاحِ والدّيمومةِ. بل إنّ ثورةَ تونسَ، من جانبِها الإعجازيِّ، نصٌّ يحتاجُ إلى تفسيرٍ فقهيّ وسياسيٍّ وثقافيٍّ وتاريخيٍّ ونفسيٍّ وحضاريٍّ وعاطفيٍّ واستهلاكيٍّ، ولا يقدرُ شعبٌ من شعوبِ الأرضِ أن يُنْجِزَ ثورتَه صافيةً إلاّ إذا تعلّمَ فنونَ القراءاتِ السَّبْعِ حَرْفًا وهيئةً ليستطيعَ تمثُّلَ هذا النصِّ التونسيِّ في دَلالاتِه الكبرى: نصٌّ مُفْرَدٌ مكتوبٌ بصيغةِ الجمعِ، يسعى إلى أنْ يُهوِّنَ على الأمّةِ نصرَها ويسهّلَ عليها أحلامَها ويُخفِّفَ من كربِها. هذا كتابُنا، فأينَ كتابُكم؟
