ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئاً جديداً ، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته أني تعلمت شيئاً جديداً هو : ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب التافهون؟ وفيما يفكرون؟
العقاد
الكتابة الأدبية الجادّة بحاجة إلى فهم القواعد والمبادئ الأساسية لها وضبط نوعية قراءتها , ثقافتها ,صورها خبرتها رمزيتها نبرتها لتضمن ديمومتها وحتى لا تُتهم بالاعتلال ويختلط الأدب الرفيع مع الوضيع,
الكتابة التي لا تكون بمنأى عن الإبداع ولا بمنأى عن المتلقي ولا بمنأى عن القراءة , إنما متدفقة في كل مرة من كل جانب ومتجددة بقيمتها الفكرية والفنية والجمالية دون توجس وتربية روحية تستقطب أعداد مهولة من القرّاء وذلك من خلال النظر للعمل الأدبي وليست لشخصية الكاتب وإلا لترصدتها أصابع الإتهام وللبست رداء النرجسية وهوس الشهرة وهي مالا تمنحه الشرعية الأدبية .
فحين نتحدث عن الكتابة فإننا نتحدث أيضا عن طبقات ومستويات وأحوال القرّاء أو كما يقول الجاحظ :» للكلام غاية، ولنشاط السَّامعين نهاية»
فمهمة الكاتب والممتدة عبر الأزمان والأماكن أن يعرض نتاجه الأدبي بصورة تكاملية فلا يجعل الماضي ينعتق عن حاضره ولا الحاضر يتبرأ من ماضيه
كما أن ربط اللغة بملكة الحفظ يمخَّض الأفكار ويوظفها بدلالاتها وبذلك ينزلها منزلتها في محرابها
وحين نتحدث عن الكاتب ونتاجه الإبداعي بغض النظر عن فكرته ومضامين كتاباته وتوجهاته فإننا نتحدث عن عنصر هام وقارّا في يضاف لهذه الدائرة
وهوالمتلقي الذي يملك خبرة كافية وثقافة لُغوية لربط المعنى بالموقف وهذه الحقيقة لاجدال فيها .
وفي قول الجاحظ «مدار الأمر على البيان والتبَيُّن… والمُفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل»
تأكييد على هذه العلاقة الوطيدة بين الكاتب المبدع وبين المتلقي المبدع والحلقة الوسطى بينهما « الأثر الأدبي»
وفيما لو فقدت الدائرة إحدى نقاطها فإن الفجوة ستتسع بين أطرافها وتفقد المادة الأدبية ملامحها الجمالية والإبداعية وكأنها تتهاوى في وادٍ سحيق .
وتمسي الكتابة كمن ينشد:
ونفسك أكرمها فإنها إن تهن
عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما.
إن القارئ هو المتذوق للنتاج الأدبي بعد أن وسّع خياله وهو الكاتب الذي يعيش تجربة الشاعر في جميع جزيئاتها وتفاصيلها وأطوارها وهو من يعيد كتابة النص في مخيلته بأكثر من قراءة وهو الناقد الذي يعرض رؤيته بعد تمحيص وتدقيق لهذه المعزوفة الفنية .
وماذا لو اتكأت الكتابة على ثقافة عرجاء !!؟ وعجت بأحاديث تتحرك بإتجاه معاكس للمعنى !!؟؟
هذه التساؤلات تضيّق الممرات وتغلق كل المنافذ وتجعلنا أمام أدب ردئ تمخّض بواو عمرو .
قُلْ لِمَنْ يَدَّعِي سُلَيْمى سَفَاهًا
لَسْتَ مِنْهَا وَلاَ قُلاَمَةَ ظُفْرِ
إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ سُلَيْمَى كَوَاوٍ
أُلْحِقَتْ فِي الهِجَاءِ ظُلْمًا بِعَمْرِو
إن ثقافة الكاتب الضيفن غايته تفريغ المحبرة والتي بدورها لا تؤمن بقدسية الكتابة وتفتقد للقيمة الفنية والدهشة التي تحدثها متعة قراءة الأثر الأدبي فهو كمن يعتمد على الرص والبهرجة ويترك المتلقي كمن يتعامل مع شفرة دافنتشي.
عَبِير بِنْت أحْمد
