الثقافيـة

مهاجر على الطريق

صلاح حسن بخيت – أبوهبة الله

الساري يرتفع يعانق السماء .. الشراع مطوي في إسترخاء ليكون مستعداً لبدء رحلة الوداع .. زرقاء لون يا سماء .. زرقاء دموعك أيها النيل .. زرقاء دموعك يا قرية .. ياقرية تبكي الفراق .. يا أرض تشكي آلام البعاد .. يانخيل القرية كوني سداً وأمنعي هجرة الأبناء .. أمسحي بضفائرك الخضراء كل الدموع .

الطفل المتشبث بالتلابيب يقذف بكل الأحلام في نهر الحقيقة ولايريد أوهام المستقبل الخادعة التي يخشى ألا تتحقق .. يريد فقط أباه .. الزوجة تكتسي الأحزان وتبكي بقلب أدماه الحزن – ستبدأ ليالي السهر الطويلة .. نعم ستبدأ مصادقة الدموع والآلام والأسقام العليلة .. سيوحش القلب أنيسه .. وسيوحش الفرح جليسه وسينطفئ المصباح مبكراً .. ليبدأ السهر مع الليل الطويل مع النجوم مع القمر ستثقل كاهلهم بالأحاديث والهمسات التي سوف يبثونها إليه هناك لأنهم صادقوا المشاعر والأحاسيس .. صدق ضحك الأطفال البادية في وجه القمر .. صادقان في سحر العيون التي تتلالأ في النجوم الساطعة علينا من البعد .

ستبدأ دورة الأيام والسنين دورة الوحدة والشقاء .. أين من شريك كان يملأ القلب بهجة ؟ أين من حلم جميل ذهب سريعاً أين من حب دافئ أين من عش هادئ أين من ضحك أطفالنا الأبرياء ؟

الشراع الأبيض بدأ يخفق في السماء .. والطيور تقف على الصاري معتزمة الرحيل .. النسائم ترفض أن تهب على القارب .. والنهر خمدت أمواجه ساكنة .. كلهم يترقبون لحظات الوداع ويشاركون القرية أحزانها ويريدون منع الرحيل .. متشبثين بأبن طينها وأرضها وزرعها ونيلها .. صرخ النهر بقوة عندما اندفع الحبيب إلى أعناقه مودعاً بعد أن قفز إليه مندفعاً بعيداً عن الأحباء ..

أنت الأمواج وزمجرت , عصفت الريح والهواء .. شق القارب المياه … هبت الطيور مفزوعة على صوت بكاء القرية ..

وطارت بعيداً لكنها ما لبثت أن عادت إلى مكانها تتابع لحظات الفراق الأليمة ..

الصحراء تفتح ذراعيها تحتضن الحافلة بأسنانها الصفراء .. الخضرة من الخلف تبتعد رويداً رويداً .. والنظرات تتابع ابتعاد زرقة النيل وخضرة الحقول .. النخيل الباسقة كانت آخر مرائي الوداع .. مالبثت أن أختفت هي الأخرى ولم يبق سوى صوت طنبور يحمل الهواء ألحانه الحزينة في تردد .. ليقابله تنهيدات عميقة من داخل الحافلة .

أيد رقيقة تطلب الاستيقاظ وربط الحزام .. زمجرة محركات الطائرة توقظ النائم .. وزفرة ألم تشق حجاب الصمت في الصدر الحزين .. ودموع أنهمرت وأسرعت يداه لتجففها بينما في القلب جراح لا تداويها الأيام والسنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *