•• يذهب السائح إلى بيروت في ذلك الزمان فما يكاد يضع ملابسه في غرفته.. حتى تأخذه قدماه إلى “السلودير” القلب النابض بالحياة في تلك الايام أيضا في بيروت والذي سرق كل الوجوه.. وبكل اشكالها من “الحمراء” التي كانت حتى منتصف السبعينيات الميلادية “مرسى” كل قادم بغية كل “سائح” تأخذ مكانك في “الكراند كوفي” يقف امامك “محمود” وبلهجته “الصيداوية” يسألك ماذا تشرب او تأكل.. فلا تنتبه إلى ما يقول.. فهذا السيل الذي انثال على ذاكرتك أخذك إلى البعيد.. وصور متداخلة.. متشابكة تراها الآن.. لهذه المنطقة وسط بيروت بساحة.. البرج.. وساحة الشهداء بتلك “الزواريب” فيها.. وبحركه الناس التي لا تهدأ.. كل ذلك انبعث الآن.. بعد الخراب الذي دمرها واقتلع منها كل ذكرياتها.
“السلودير” اصبح في يوما – ما – مكانا منافساً لأشهر شارع اوروبي يرتاده الباحثون عن “الراحة” وقليلا من “البحلقة” اقصد “الشانزليزية” في باريس.. في قلب بيروت تأخذك مقاهي.. ومطاعم “السلودير” التي اصبحت تسمع فيها من بعضهم تلك “اللهجة” المصرية.. بخفة دمها.. بعد ان كنت في السابق لا تسمع الا لهجة ابن صيدا او ابن بعلبك.. او الشياح.. او ذلك القادم من بر الشام.. ذلك الحمصي.. أو الحلبي.. بعد كل ذلك بدأت تظهر بعض السحنات الاسيوية من اندونيسيا.. وسيرلانكا.. والفلبين.. ويكاد اللبناني ينسحب في هدوء من هذه الحركة اليومية بين مقاعد السياح.. في تلك المقاهي.. المتناثرة والمنشية فرحاً بزوارها الذين غابوا عنها طويلا.
وبدأت ارتالهم تخف من جديد على هذه – المدينة – التي تملأ شوارعها ارتال.. اكياس النفايات بعد ان كانت في يوم من الايام يطلق عليها عشاقها انها باريس الشرق.. وانها اذا ما أصيبت باريس بالبرودة “ترشح” بيروت – عطاساً.. من سرق بهجتها وحولها الى بيت للنفايات والى العسكرة المقيتة.
من سرق جمال بيروت؟
