في الوقت الذي يحاول فيه الكثيرون من أبناء جلدتنا حصر الصراع مع المؤسسة الإسرائيلية بصراع سياسي جغرافي، تستمر المؤسسة الإسرائيلية في سياستها التطهيرية ضد أبناء شعبنا الفلسطيني ورموزه الدينية والقومية، لتؤكد لنا هذه المؤسسة مرة أخرى أن طبيعة عدائها لنا قائم على أسس دينية قومية، فهي تشن حربا على الدين والتاريخ والجغرافيا والتراث والحضارة العربية الإسلامية التي تخص العرب والمسلمين بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص.
ويمضي مركز الدراسات المعاصرة إلى القول :هاهي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تؤكد مرة أخرى فيما لا يدع مجالا للشك أن الصراع هو صراع على هوية المكان الدينية والتاريخية، فقد نشرت الحاخامية العسكرية لضباط الجيش الإسرائيلي شرائح عرض توجيهية يظهر في إحداها المسجد الأقصى كما هو اليوم وقد حذفت منه قبة الصخرة المشرفة وهي القبة الرئيس وجزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، وقد تحدثت هذه الشرائح عن حرب ما يسمى بالمكابيين ضد اليونانيين. الجديد في الأمر أن المؤسسة العسكرية وهي جسم رسمي داخل المؤسسة الإسرائيلية باتت تروج بشكل علني لفكرة أحقية اليهود في المسجد الأقصى المبارك، من خلال حذف صورة قبة الصخرة المشرفة احد المعالم البارزة داخل المسجد الأقصى، كما تروج المؤسسة العسكرية لما يسمى للفكر المكابي داخل صفوف الجيش ينقل رسالة مبطنة لضباط الجيش أن الحرب القادمة ستكون دينية من اجل \"تطهير\" ما يسمى الهيكل من أيدي المسلمين، تماما كما حاول المكابيون فعله أمام اليونانيين، وعليه فالحاخامية العسكرية باتت تعد جنودها تربويا ونفسيا لمواجهة محتملة بعد أن تستولي المؤسسة الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك، فالهدف الأول والأخير للمؤسسة الإسرائيلية في القدس هو تهويد المكان من خلال السيطرة على الرموز الدينية وتفريغ القدس من سكانها العرب الأصليين.
سياسة التفريغ السكاني وتهويد المكان هذه بدأت تأخذ حيزا ملموسا في سياسات المؤسسة الإسرائيلية، فهي ليست حكرا على القدس والمسجد الأقصى المبارك، فالمؤسسة الإسرائيلية باتت تشن حربا شاملة على الوجود العربي في الداخل الفلسطيني، وخصوصا في النقب الأشم، فقائمة التفريغ السكاني هناك تستهدف العديد من القرى البدوية كالعراقيب، التي هدمت حتى الان 33 مرة، وعرب النعيم ، طويّل أبو جرول،وام عتير والقائمة تطول، ولكن ما نلحظه أن سياسة الترحيل انتقلت من مرحلة التنظير الأكاديمي، إلى مرحلة التخطيط والتصريحات الرسمية وغير الرسمية، ومن ثم إلى مرحلة التنفيذ المنهجي، وها هو الدور يأتي اليوم على قرية أم عتير، فالعشرات من أبناء قبيلة أبو القيعان الذين يسكنون هذه القرية مهددون بالطرد ودوس كرامتهم الإنسانية، وهم أهل البلاد الأصليين، من اجل إقامة غابة.
في سنوات الخمسين استخدمت المؤسسة الإسرائيلية الحجج الأمنية من اجل ترحيل سكان النقب من أراضيهم ونقلهم إلى أراضي تركيز داخل النقب، قبيلة أبو القيعان هجرت عن أرضها في العام 1956 للمرة الأولى بقرار عسكري صادر عن الحاكم العسكري وتم نقلهم بشكل ثابت إلى منطقة أم عتير التي تبعد 7.5 كم عن بلدة حورة، أما اليوم فالمؤسسة الإسرائيلية وبعد انتهاء فترة الحكم العسكري ابتكرت أسلوبًا جديدًا لتنفيذ مخططات الترانسفير الخاصة بها ضد أهل النقب، عن طريق سياسة تشجير الأراضي وتحويلها إلى غابات ومن ثم نقلها إلى السكان اليهود، لكن مشروعهم أبعد من ذلك، انه التهجير، انه التهجير!!
