الأرشيف متابعات

مقاهي الباحة .. بين كراسي سعف النخل .. وتقنيات نيوجيرسي

•• المقاهي في منطقة الباحة لم تعد بتلك الصورة التقليدية التي كانت عليها قبل حوالي 30 عاما , عندما كانت تتراص بداخلها وامامها كراسي سعف النخل , بل إنها اليوم قد تماهت مع العولمة بطل معطيتها ومحركاتها وأدواتها , وتعاطت التقنية , وصار الانترنت عنوانها الرئيس .
** وبالنسبة لي فإن أول مرة رأيت فيها المقاهي , كان في بلدتنا ( الأطاولة ) شمالي مدينة الباحة بـ ( 28) كم , قبل حوالي أكثر من ثلاثة عقود من الزمن , وكنا حينها طلابا بالمدرسة الابتدائية , فيما كان مقهيان اثنان يملان السوق – سوق الربوع – بضجيجهما وديناميكيتهما التي لا تهدأ .
** وكانت خدمة المقاهي في كل مكان – حينذاك – خدمة تقليدية بحتة , لا تزيد عن تقديم مشروب الشاي ودخان الشيشة , وكراسي للنوم ( المبيت ) لمن هو عابر سبيل .. وهذا ما عبّر عنه أحد شعراء \" الكسرة الينبعاوية \" .. ذلك اللون التراثي الجميل , في كلماته وألحانه العذبة , عندما قال :
يا قهوجي جِيـب ثلاجـة
وعبّي حجر واضبط البرّاد
حنّا ترانـا علـى حاجـة
جيناك صدفة بـلا ميعـاد
** ولم يكن منطقيا بطبيعة الحال أن نجلس نحن الصغار في القهوة , غير أننا كنا في مرات متفاوتة , \" نخطف أرجلنا \" إلى داخلها لتناول قدحا من الماء البارد من ( الزير) الذي كان يتوسط المقهى , وفي خلسة من سطوة القهوجي , الذي كان يدرك أننا من جماعة ( البلاش ) ممن يأتي فقط ليشرب الماء مجانا , ثم يولي هاربا.
** ولقد كنا في تلك ( الغزوات ) الطفولية الشقية , لمقهيي بلدتنا نسمع السيد القهوجي , وهو يصدح بصوته الجهوري ولهجته اليمنية ( أربعه اسود .. يا ولد ) .. وللوهلة الأولى لم يكن معنى هذه العبارة مفهوما بالنسبة لنا , غير أننا ومن خلال الأيام والمعايشة الخاطفة لتلك العبارة , التي كانت أصدائها تصل إلى فوهة المقهى , أدركنا أن ترجمتها هو حض النادل الرئيس , القابع خلف الموقد , على صناعة براد صغير من الشاي عبوته أربعة فناجيل .. يا للثقافة التي أدركناها بشكل ذاتي .
** وظلت المقاهي تمارس نشاطها التقليدي هذا عهدا طويلا , إن في القرى أو المدن دونما تغيير ظاهر , إلى أن ظهرت قبل سنوات قليلة ( العولمة ) برياحها العاتية أو الهادئة لا فرق , فعملت ( عمايلها ) في كل مكان , بما في ذلك المقاهي , وصار المقهى الذي تعايشنا معه دهرا كأنما هو جزء من الماضي , وظهرت المقاهي الجديدة بمسمياتها الحديثة , وإغراضها الجديدة , وغشيت كل ركن من الأرض .
** ولم نعد نرى من صورة المقاهي القديمة سوى القليل جدا , وما عرفناها قديما لم يبق منه غير رسومه , وبقايا من ذكريات أيامه الخوالي , فقد اجتاحت دنيانا المقاهي الجديدة , أو ( الكوفي شوب ) وصرنا نتذوق فيها أكوب من الكابتشينو الساخن بنكهات مختلفة مثل الكراميل والفانيلا , أو فنجان من الشاي الأخضر المغربي , وصار العاملون داخل هذه المقاهي يتفننون في ابتكار نكهة مميزة لمشروب جديد , أو خلطة فريدة لبعض المأكولات , مثل بعض المقبلات اليابانية وغيرها , بهدف اجتذاب الزبائن .
** وهكذا أخذ عدد من \" الكافيهات \" الطابع الغربي في تصميماتها , واستنسخت مناخات أخرى داخلها , حتى أنك قد تفاجأ وأنت في طريقك إلى إحدى الطاولات , بشلال اصطناعي يتناهى خريره إلى أذنيك , أو بجدول من الماء تحت قدميك , ولكنه مغطى بلوح من الزجاج الشفاف , من تصميم مهندس ديكور بارع , ولم يعد جديدا أن ترى أمامك أركانا خافتة الإضاءة , إمعانا في خلق أجواء حالمة أو رومانسية .
** المقاهي إذن قالت كلمتها وصارت تساير العصر , , وتقدم بجوار المشروبات خدمة تصفح الإنترنت , وتسمى نفسها \" نت كافيه \" تماشيا مع روح التغيير التي هبت , لكن الذي لفتني مؤخرا أنه ومع التطور الطبي الذي يشهده العالم , وبعد اكتشاف خريطة \" الجينوم \" وظهور أهمية الحمض النووي الـ DNA الذي يمكن من خلاله قراءة المستقبل الصحي لأي إنسان , ومعرفة صفاته الوراثية التي تميزه عن غيره ، طرأ تطور جديد على المقاهي , بدأ الآن في الغرب في صورة جيل جديد منها , يسمى \" DNA كافيه \" .. وتقدم هذه النوعية الجديدة من المقاهي بجوار المشروبات , خدمة تحليل الحمض النووي لزبائنها.
** أول مقهى بدأ يقدم هذه الخدمة هو الآن في مدينة نيوجيرسي الأمريكية ، حيث يقدم المشروبات بشكل طبيعي لرواده ، لكن في النهاية يعرض عليهم إمكانية عمل تحليل الشريط الوراثي الـ DNA , مع ضمان السرية التامة بألا يعرف حتى الطبيب الذي يقوم بالتحليل , من هو صاحب هذه العينة ، وكل ما على الزبون الراغب في إجراء هذا التحليل القيام بمسح فمه بقطعة من القماش أو القطن ، حتى يعلق بها ريقه ، وبعدها يتم إرسال العيّنة إلى أحد المعامل لتحليلها والحصول على النتائج خلال 24 ساعة مقابل 550 دولارا.
** مقاهي العالم بما فيها مقاهي الباحة – سافرت بعيدا في سماء التطوير , وتماهت كثيرا مع عوالم جديدة , لو رآها أجدادنا اليوم لظل أحدهم فاغرا فاه من الدهشة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *