الثقافيـة

محاضرات النادي !

المجلد التاسع بتاريخ 1 /9 /1411هـ- 17 /3/ 1991م”

عبدالفتاح أبومدين

 

•• حين دعا النادي بجدة نفراً من صفوة الباحثين في شتى المجالات الفكرية، ليلقوا محاضراتهم الممتعة، كان من همه أن يسجل هذه المحاضرات في مجموعات متتالية، لأن المحاضرة بعد سماعها تغيب عن الأذهان بمرور الزمان، فيكون التسجيل وعاءً حافظاً لزاد قيم يعتز النادي بتهيئته كل الاعتزاز.

•• ومقدم المحاضرات يحار في الحديث عنها، لأن لكل محاضرة طابعاً خاصاً تنفرد به، ومحاولة الحديث عن كل طابع في هذه المقدمة مما لا يتيسر إلا في حيز مماثل للمحاضرة نفسها، لذلك كان عليّ أن أطوي كثيراً من مشاعري الخاصة وأفكاري الذاتية نحو هذه المحاضرات، مكتفياً بالإشارة السريعة، وهي بمثابة شراب سائغ يقدم قبل الطعام ليشوق إلى ما بعده، إذا لا بد من الإيجاز اللامح، والاقتضاب السريع.
** إن هذه المجموعة باقة جمعت شتى الأزهار المختلفة، وتنوعها الموضوعي مما يبعث الرغبة في استيعابها دون سأم، لان الكتاب ذو الموضوع الواحد يتطلب من قارئه الاستراحة بين فصوله، أما الكتاب المنوع فيبعث الرغبة إلى مواصلة القراءة،حيث يجتاز القارئ آفاقاً جديدة، وتدفعه لذة الارتياد إلى أوج فسيح!
•• ولا أحاول أن أيقن بترتيب المحاضرات في الكتاب، لأني أسجل انطباعاتي كما تفد إلى ذهني تسجيلاً عفوياً، هو إلى المسامرة أقرب منه للمقالة، والكاتب صادق حين يقرر أنه يجهل أسباب تذكره بحثاً قبل بحث، وما إدخال الذاكرة إلا وعاءً يمتلئ ثم يفيض عند حد معين، والماء واحد لا خلاف في جدواه.
•• وموضوع الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم يفد على ذهني قبل سواه، إذ كنت أرى أن قضية الإعجاز لا تقف عند زمن معين، ولكن الأيام تتيح للدارس أن يكتشف الجديد دائماً، تصديقاً لقول الله عز وجل:” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق”، وقد درس الباحث التاريخ القديم في آثاره الشاهدة، كما درس ما جاء بالتوراة والقرآن من أخبار تتفق حيناً وتتضارب حيناً آخر، وسلك سبيل البحث الجاد لينتهي إلى أن ما جاء به القرآن نوع من الإعجاز الخارق، حيث قامت الدلائل على صدقه، ونحن نعلم أن الآثار الفرعونية لم تقرأ إلا بعد الحملة الفرنسية على مصر حين أكتشف حجر رشيد، فإذا نطقت هذه الآثار بما جاء في القرآن قبل ثلاثة عشر قرناً فذلك هو الإعجاز الفريد! كما نعلم أن القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، فهو مصدر اليقين.
** أما المحاضرة الخاصة بالصلة التاريخية بين البحرين والمملكة العربية السعودية فتتعلق بفترة من فترات تاريخنا المعاصر، ونحن بحاجة إلى بحوث تكشف الروابط الوثيقة بين البلاد العربية، مستندة إلى التاريخ البعيد والقريب معاً، وصاحب المحاضرة قد استوفى زبده ما يقال في هذه الناحية، وقد رجع إلى الوثائق المهمة، والتسجيلات الدقيقة، ونقل أقوالاً لم تكن من قبل، جاءت على ألسنة أولياء الأمر في المملكة العربية السعودية والبحرين، كما أشار إلى رسائل سياسية تلقي مزيداً من الضوء، هذا غير ما اهتدى إليه من المصورات الجغرافية، وكلها مقدم لبنات قوية في جدار التاريخ المعاصر.
** ولا نستطيع أن نلم بدقائق محاضرة( مفهوم البيان في النقد العربي)، لأن صاحبها الفاضل دارس متعمق، له سطوته في المناقشة والأخذ والرد، كما له سبقه في الفهم الجديد للنص القديم، والمحاضرة إضافة إلى المكتبة النقدية المعاصرة ، وتحتاج إلى وقوف طويل.
•• وبين أيدينا محاضرتان قيمتان عن كتاب الله، إحداهما تحت عنوان(نظرات في سورة الكهف) والأخرى تحت عنوان (معان خاصة ببعض ألفاظ القرآن الكريم)، وكلتاهما تعرض الحقائق القرآنية عرضاً واضحاً، يتضح للقارئ في أيسر تناول، ولا تزال المكتبة القرآنية في حاجة إلى أمثال هذين البحثين،لان من مميزات البيان القرآني إشعاعه بالنور من كل حرف، وإمداده القارئ بالجديد الرائع، ولذلك كثرت كتب التفسير دون أن يغني مفسر عن مفسر،لان كل دارس يفيض بما يفتح الله به عليه، وقد قال الله: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر! ومن تيسير الذكر إن تكثر حوله البحوث المخلصة، والشروح الأمينة، ليشرق ضياؤه الساطع في كل حين، ومحاضرة لون من ألوان الأدب في كتب( التراث) دعوة ملتزمة إلى الارتقاء بالفكر العربي، بعيداً عن الإسفاف الشائن والمجون الهابط، وقد وردت نصوص قديمة وحديثة تحبذ الاتجاه إلى تسجيل الأدب المنحرف، فرأى المحاضران أن يتعقبها بالنقد الكاشف، وأن يقرنها إلى نقول أخرى، ترتفع بالأدب إلى سماء الفضيلة والخلق الكريم، والمحاضرة في هذا المجال دعوة صريحة إلى الارتقاء الإنساني بعامة، والارتقاء الإسلامي بنوع خاص.
•• ونشير إلى محاضرة التقارب الوظيفي لزمانية الفعل ومكانية الفاعل في دائرة عقل المستقبل، إذ حفلت بإسهامات فكرية دقيقة، حين تحدثت عن النظرة العقلية القائمة على المداخلة بين العلاقات وعن الحوار المعرفي وهيمنة القائمة على المداخلة بين العلاقات وعن الحوار المعرفي وهيمنة الطبع الوظيفي على المادة المعرفيه، ودور الزمن في إنماء المعارف الإنسانية، ورسالة المعرفة في الماضي والحاضر والمستقبل، وتلك شعاب دقيقة تحتاج إلى صبر طويل في الدراسة والقراءة معا.
•• وقد أوجز صاحب محاضرة( علم الأدب ومنزلته بين العلوم في تراثنا) إيجازا غير مخل، حين تحدث عن منزلة علم الأدب بين العلوم مستنداً إلى ما جاء في كتاب إحصاء العلوم للفارابي، باعتباره أول محاولة في تصنيف المعارف، وقد أورد علم اللسان في المرتبة الأولى، لأنه قناة المعرفة وطريقتها، ثم أنتقل إلى كتاب الفهرست لابن النديم، مثلثاً بمفتاح العلوم للخوارزمي، ومنتقلاً إلى مراتب العلوم لابن حزم، حتى جاء إلى ابن خلدون فكشف رأيه السديد في هذا النطاق، والبحث دقيق مركز.
•• وتأتي محاضرة( قراءة الشعر القديم مناهجها وقيمتها العلمية) لتعرض بعض الاختلافات المتعارضة لدى الدارسين حول هذا الشعر، وكان الدكتور طه حسين مجال التطبيق النقدي في هذه الدراسة، حيث اختار الدارس كتابيه( مع المتنبي)(وأبو العلاء في سجنه) ليكونا موضع النظر التحليلي، وطبيعي أن أشير إلى المذاهب المعاصرة في دراسة هذا الشعر، وهي التفسير النفسي والتفسير الجمالي والتفسير اللغوي، حيث يحرص أصحاب التفسير الأول على المزاوجة بين الدراسة الموضوعية والتحليل الفني، مزاوجة لا تكاد تغلب جانباً على آخر، وقد تبنى هذا الاتجاه اثنان من نقادنا المعروفين، هما الدكتور/محمد مندور وعبدالقادر القط، وكلاهما من تلاميذ طه حسين، أما التفسير الجمالي فينظر إلى النص الشعري باعتباره عالماً موضوعياً قائماً بذاته، وإن الشكل والمضمون ليسا وعاءين منفصلين، يفكر الشاعر في كل منهما بعيداً عن الآخر، ولكنهما يمتزجان ويتفاعلان، أما التفسير اللغوي فهو الأصل الأول لفهم المراد من الألفاظ، وقد ختم الباحث دراسته مشيراً إلى أن قراءة الشعر لا تزال في انتظار منهج يرد عليها وحدتها الموضوعية.
•• ومحاضرة:”الوسطية في هذا الدين” قد ألمّت بتحديد معنى الوسطية لغة محددة إلى الاعتدال والى الحس والعقل، والى المعنى الحسن المادي، ثم تحدث المحاضر عن الوسطية في الزمان والمكان، ملماً بحياة الرسول كمثال للوسطية الصحيحة، ومنتقلاً إلى تركيز القول في وسطية المنهج القرآني، واليسر في تطبيق الأحكام الشرعية، والنهي عن الغلو والتنطع، والحذر من التفريط، وموقف الفرد والمجتمع في ضوء الوسطية، انطلاق هادف جاد.
** ومحاضرة الدكتور عبدالله الغذامي، توجه مخلص في تفسير نصوص فنية، وللأستاذ أصالته القوية! وميزة المحاضرة فيما أعقبته من نقاش حافل، حيث قام نفر من المعقبين بالتعليق الكاشف، وقد رد المحاضر على ما وجه إليه، موضحاً وجهة نظره في جلاء، فكانت المحاضرة ثمراً طيباً أدى تلاقح الأفكار،وتتابع المعاني، وليتنا نهتم بالنقاش دائماً، لينكشف الموضوع في أبهى صورة مميزة، دون خفاء، على أن يكون التحاور في حتمية الموضوع المطروح، وفي موضوعية ملتزمة.
•• أما محاضرة (تقنية التعامل مع النص) فذات اسم مفيد، لأنها وضحت موقف الناقد من النص الأدبي ووجوب الاهتمام به كضيف أثير، كما أوجبت دراسة منشئ النص للتعرف عن الينابيع التي ألهمته ووجهته، واستشهدت بنصوص عربية وغربية تؤكد وجهة المحاضر، وقد رسم الباحث صورة جيدة للتعامل مع النص القديم، معززة بالاستشهاد، مؤكداً منزلة الذوق الأدبي في الفهم والاستشفاف، وتأتي دراسة كتاب(منهاج البلغاء وسراج الأدباء ومصادر حازم التي رجع إليها)، لتضيف الجديد حقاً، إذ تمكن الباحث من موضوعه تمكنا جعله يبرز أفكاره في وضوح ساطع، كما أحسن إيجاز كثير مما تعرض له حازم من قواعد وأمثلة، وقد ركز في الخاتمة على زبدة أفكار حازم في الشعر، من حيث الموهبة والصناعة، مع الدعوة إلى التوسع في الأعاريض، وتعدد القوافي.
•• ونجد محاضرة( الزمن العربي) موفقة في اتجاهها، إذ أحالت موضوع الزمن الفلسفي إلى منطق أدبي سائغ، يحفل بالاستشهاد التاريخي، مع إلمام بالواقع العربي المعاصر، تحليلاً وتعليلاً ونقداً.
** وفي الختام أتحدث عن محاضرة( اللغة في أدب طه حسين) كنمط من النظر التحليلي والكلمات والجمل، ورد طبيعة التأليف لدى الكاتب الكبير على مقومات هامة تأصلت لدى الدكتور طه حسين، وكان مجال التركيب الاسمي للجملة موضع اهتمام الدارس، وكذلك اختص المواقع الإعرابية للتراكيب الاسمية بنظر ثاقب، متنقلاً إلى دراسة التراكيب الاسمية بين البساطة والنقد.
•• هذه وقفة سريعة بين المحاضرات المختلفة، نشير إليها من بعيد، لتدفع القارئ إلى المراجعة الدقيقة، ولا أظنني ألممت إلماماً كافياً بجوهر هذه المحاضرات، بل كان من همي أن أجذب القارئ إلى رياض يراها بعينه، ويشم عبيرها بذاته، وله رأيه الخاص، وفكره المستقل.
وبالله التوفيق،،،،
والمحاضرات التي أقيمت في المجلد السابع هي كالتالي:
1- مفهوم البيان في النقد العربي – للدكتور مصطفى ناصف رحمه الله.
2- علاقة الناقد بالنص(تقنية التعامل مع النص الأدبي – للدكتور ناصر بن سعد الرشيد.
3- تأملات في سورة الكهف. فضيلة الشيخ نور الدين قرة علي.
4- معان خاصة ببعض ألفاظ الذكر الحكيم- الدكتور حسن محمد باجودة.
5- التناوب الوظيفي لزمانية الفعل ومكانية الفاعل دائرة المستقبل – للدكتور عائض الثبيتي.
6- قراءة لغوية في أدب طه حين – للدكتور محمد فتيح.
7- الصلة التاريخية بين البحرين والمملكة العربية السعودية-الدكتور علي أبا حسين.
8- نظرية المعنى في التراث العربي وأثرها في فهم وظيفة الصورة- للدكتور حمادي صمود.
9- شاعرية الغياب – للدكتور عبدالله الغذامي.
وبمشيئة الله : البقية تأتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *