منذ تفتقت عيوننا على الحياة – أنا وجيلي – ونحن نعيش الصراع العربي الإسرائيلي بكل صوره الدامية ، وملامحه المأساوية وعذاباته المروعة ، حتى تجذرت في أعماقنا منذ بواكير أعمارنا صور البطش الصهيوني , الذي لا أظن أن أمة في العصر الحديث قد ذاقت مثله كما تجرعناه نحن العرب . فطفولتنا فجعت أولاً بحرب الأيام الستة عام 1967 بكل ظلاماتها وسوداويتها ومأساتها الدامية .. وترددت – حينذاك – على ملامحنا الطرية أسماء كريهة مثل : ( موشيه دايان – وأبا إيبان – وجوالدا مائير) ولم يستطع الزمن أن يمحوها ولا أظنها سيقدر على ذلك .
ومنذ ذلك الحين والولايات المتحدة الأمريكية هي الحصن الدافئ والأم الرؤوف لإسرائيل ، ليس لمصلحة ظاهرة ولا لعشق فريد .. وإنما لأن اليهود قد راهنوا على أمريكا منذ وقت مبكر ونجحوا في ذلك للأسف .. فرحوا يعملون بخطط وآليات ومحاور عمل ذكية في استقطاب وائتلاف المارد الأمريكي إلى صفهم بطريقتهم الخاصة .
ومن جانب آخر فطنوا إلى بناء قوتهم العسكرية ، حتى صارت إسرائيل تمتلك ترسانة حربية ضخمة , وبالطبع أصبح الميزان العسكري في الشرق الأوسط لصالحهم في تفوق ظاهر .. أما نحن العرب فعلى مدى أكثر من (45) عاماً – أي منذ حرب الأيام الستة – وحتى الآن ونحن ليس ( مكانك سرّ ) ولكن ( إلى الخلف در ) .. فقد أشبعنا الهواء صراخاً واستنكاراً وشجباً، وفوق ذلك قمنا – بمهارة غريبة – في استعداء أمريكا .. ولم نفلح في جميع خططنا ( هذا إذا أسميناها خططاً ) .. وبدلاً من أن نفكر بشكل موازٍ أو أفضل من اليهود باعتبارنا بشراً مثلهم نملك عقولاً , رحنا نغط في سباتنا ونهرول وراء العواطف والعشوائية والسراب بشكل أثار استغرابنا عندما وجدنا أنفسنا بعد أكثر من نصف قرن لم نحصد سوى ( العاصفة ) .
واستغراب العالم من حولنا هذه العقلية العربية الجامدة , التي لم تقدر على استمالة دولة كبرى فاعلة إلى جانبه هذا من ناحية .. ومن الناحية الأخرى لم نبن قوة عسكرية تجعلنا نراهن عليها .. فأين كل خبراء السياسة عندنا , أين فقهاء الاستراتيجيات ، أين جهابذة الثقافة ، أين فطناء القوم ، أين أصحاب الخطط الذكية ؟! .
إن أكثر من نصف قرن من الصراع العربي الاسرائيلي مرت ونحن بدون خطط مدروسة ومن غير آليات عمل فعالة ، وبدون منجز واضح ، حتى صار من المنطقي أن نبكي على أنفسنا ، وأن نتحسر على مأساتنا , ويكفي – كدليل – على حجم الفرق بين نجاح اليهود وفشلنا نحن العرب أن أي رئيس وزراء اسرائيلي لو ( أشار ) بإصبعه فقط لأمريكا , لجاءت إليه تركض بقضها وقضيضها .
فهل ثمة مأساة أكبر من هذه ؟!.
