الأرشيف الثقافيـة

لماذا غابت أكاديميات الفكر العربي؟

كتب – عمار السواد :

لا يخلو الفضاء الفكري العربي من نتاجات مهمة.
فالمكتبة العربية عرفت في القرن الماضي أعمالا فكرية قيمة، لو تم التعامل معها بجدية للعبت دورا مهما في صناعة نخبة جديدة ومختلفة، ولأصبحت مؤثرة. قد لا يكون التأثير مثلما نسمع عن عصر التنوير الغربي، ولكن لو قدر لحراك الأفكار العربي أن يأخذ طريقه لحصل الكثير.
علامات فارقة في تاريخ الفكر العربي، أسماء مثل طه حسين وعلي الوردي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري ونصر ابو زيد والصادق النيهوم.. بل وحتى ادونيس المثير للانتقاد بسبب مواقفه الأخيرة.
هذه النخبة وغيرها أسهمت بعمق في نقد منظومة الثقافة المتحكمة بالوعي العربي، على أكثر من صعيد. إنها لاحقت الخطاب الديني، والسياسي، والمجتمعي، والثقافي. وبحثت بشكل غير مسبوق مسببات هذا الخطاب وخلفياته. كما أنها تمثل بداية جادة لمراحل ابعد في تحقيق الإصلاح في بنية العقل العربي.
مؤكد ان القرن العشرين ليس قرن تنوير عربي، فالتنوير تأسيس له استحقاقات غير متوافرة حتى الآن في البنية الفكرية العربية، لكنه قرن ولادة للأفكار.
كان يمكن لهذه الأفكار أن تلعب دورا في صناعة واقع متنور عربيا. المشكلة كمنت في عدم تحول الأداء الفكري والمعرفي إلى فضاء مؤثر ومستقطب، إلا في حالات نادرة وحدود ضيقة.
بعض أسباب ذلك مرتبط بطبيعة المجتمع وخشيته من الأسئلة، وبعضها مرتبط أيضا بالسياسة وهيمنتها على المشهد الفكري. كما يتحمل المفكر العربي نفسه هذا العجز، اذا لم يستطع ان يوجد لمعرفته خطابا مؤثرا.
إلا أن الأقسام الإنسانية في الأكاديميات العربية تتحمل المسؤولية الأكبر، وبدرجة اقل المراكز البحثية ومعاهد الدراسات. هذه الأكاديمية لم تعر المفكر العربي اهتماما يذكر، بل بقيت منشغلة فقط بالمنجز الفكري الغربي، في المجالات كلها.
يمثل خريجو هذه الأقسام عصب حراك الأفكار، عجزهم يصنع بالضرورة عقما في ذلك الحراك. والفشل الذي تعانيه هذه الشريحة منبعه أن الطالب يتعامل مع أفكار صماء، لا علاقة لها بالواقع.
طبعا مبرر ومهم جدا حضور المنجز الفكري الإنساني الغربي، إلا انه لوحده غير كاف، خصوصا إذا كان هنالك ما يستحق الانتباه والدرس عربيا. ومن غير المنصف الحديث عن عدم وجود ما يستحق الدراسة والتأثير عربيا، هذا كلام مجاف للحقيقة.
ثمة أفكار مهمة ظهرت خلال هذا القرن، وثمة نقاشات عميقة للواقع ونقد للمجتمع وإعادة قراءة للتراث… لكنها بقيت حبيسة الكتب، وأصحاب تلك الأفكار لا يتحملون المسؤولية لوحدهم في غياب التأثير، أبدا الموضوع ليس كذلك. قصة التأثير مرتبطة بقيام المؤسسات المعنية بوضعها بين يدي الشريحة التي يفترض أنها العمد الرئيس لحراك الأفكار.
ربما يحتج البعض، ان كثيرا مما كتب وأنتج لا يمكن تبويبه ضمن الدراسات الفلسفية أو الاجتماعية أو الشرعية أو النفسية والتاريخية… فلا يمكن أن يكون جزءا من ذلك.
اذا صح هذا الكلام فاعتقد ان فكرة تأسيس قسم يعنى بالفكر العربي الحديث في الأكاديميات العربية تستحق الاهتمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *