جدة – بخيت ال طالع الزهراني
ذات صيف – قبل عامين – كنت محتاجا لـ ” كأس برتقال ” .. استجابة للنصيحة التقليدية , بان للحمضيات قيمة غذائية فعالة , وخصوصا لمن كانت لديه نزلة برد مثلي في تلك اللحظة .. غادرت فندق الباحة حيث كنت أنزل , إلى الشارع الرئيس المكتظ بالمحلات التجارية , ومن بينها عدد من البوفيهات.
بدأت بالأولى .. فقالوا لي : ليس لدينا برتقال , فقط عندنا ( مانجو – ومشكّل ) .. غادرت إلى حيث البوفيه التالية .. فقالوا : ليس عندنا عصير طازج من الأساس , لدينا فقط معلبات .
* * * * * * * * * * *
عدت إلى سيارتي متحركا إلى مكان ثالث .. وجدته بعد الإشارة الضوئية وقبل الجسر باتجاه بلجرشي .. فقالوا لي : العصارة ( خربانة ) من يومين .. ثم بعد جدال طويل أرشدوني إلى بوفيه قريبة على طريق العقيق .. وطرت إلى هناك لا ألوي على شيء .. صعدت الدرج , حيث البوفيه المعلقة .. سألت – قالوا : متأسفين !! .. خرجت حانقاً .
* * * * * * * * * * *
وكان على يمين الباب عدد من الأهالي , يفترشون مكاناً كجلسة خاصة بهم .. ولما لم أستطع أن اكظم غضبي – كردة فعل – لتلك الرحلات المكوكية وراء قدح صغير من البرتقال , ما يزال شاردا عني …
وجدتني بعد السلام , أبثهم شكواي ولواعجي .. متحدثا ومداعباً : هذه ليست (مدينة) الباحة , هذه (قرية) الباحة ؟ .. أمعقول ألا أجد كأس برتقال في كل هذه التي يسمونها مدينة ؟ .
* * * * * * * * * * *
الجماعة كانوا أكثر هدوءاً مني – بطبيعة الحال – وربما فاجأتهم بخطابي العاتب الغاضب في آن .. ابتسموا جميعا , فشعرت حينها بقشعريرة ثلجية تنداح من ظهري إلى اخمص قدمي .. وقال أحدهم : ( من فين جاي ؟ ) .. فأجبته : من جدة ..
وأضفت كمن لا يجد إلا أن يلوذ بالنقد الساخر : لو علمت .. لا حضرت برميل برتقال , اشرب منه أنا ومن يحتاج معي …..
ضحكوا مرة أخرى .. ثم بدأت شفاههم تتحرك ,فلم أتبيّن تعليقاتهم التي سرت من وراء ظهري , وأنا منحدر من سلالم درج البوفيه.
* * * * * * * * * * *
ولمعت في ذهني فكرة أن أعود لصاحب العصارة (الخربانة ) ,, فقد كان أكثر الذين طفت عليهم أملا .. توسمت فيه انقاذ الموقف .. قلت برجاء : أرجوك – اصنع لي عصيراً بأي طريقة ؟ .. قال وهو يرى الأسى والإحباط فوق ملامحي :
– سوف أقشر البرتقال واضعه في الخلاط (طريقة غير مثالية لإنتاج عصير البرتقال ) لكنها على طريقة إنقاذ ما يمكن إنقاذه .. قبلت العرض مرغما , وانتهى الأمر .
* * * * * * * * * * *
وفي المساء عنّت لي فكرة الارتواء بكأس برتقال آخر , وقالت لي نفسي : ليس لك إلا صاحبك ذاك … غير أنني أردت أن أقف بدقة على السر العجيب لندرة عصير البرتقال في الباحة في ذلك الوقت .. أحد الباعة في أول بوفيه في الشارع العام همس لي بالسر ّ العجيب
– سعر كرتون البرتقال مرتفع , وعملية عصره ( لا تخارجنا ) .
– هههههه هكذا إذن .
* * * * * * * * * * *
اعتدلت .. ثم قلت له باعتزاز ونشوة : حبيبي – أنا من حي قويزة في جدة (!) ولدينا هناك حزمة من البوفيهات تقدم عصير البرتقال ( على قفا من يشيل ) .. أمعقول أن تكون قويزة – ذلك الحي المتواضع – أفضل من أكبر مدينة في منطقة الباحة ؟
* * * * * * * * * * *
كان من ضمن مشاريعي في رحلتي تلك .. أن أكتب موضوعا أنشره في صحيفتي عن (تكامل)الخدمات السياحية في الباحة .. لكنني بعد تلك الحادثة (الصغيرة ) توقفت – للتأمل ربما ..
كنت لا أريد من القراء أن يمطوا شفاههم سخرية مني .. وبأدلة مادية أخرى , كالتي حصلت لي .. تثبت الـ (عجز ) .. وتدحض التكامل في تلبية حاجات السائح .
كأس البرتقال الشارد .. في شوارع الباحة

اخوي بخيت يبدوا انك تحكي قصة العقد الماضي
الباحة تغيرت كثيرا وشبه اسبوعي نرا وكالات شركات كبيرة
تفتح فروعها في الباحة
والسوق بكر ونشط جدا الحمدلله
أتمنى لك زيارة في القريب العاجل لتتأكد بعينك وتتذكر كلامي هذا
ووقتها نتمنى ان نرى لك مقالا عما ستراه
مع ودي ،،
بخيت لكن أين البخت في ذلك اليوم!!
تحيّة طيّبة للأستاذ بخيت.. و للقرّاء الأعزّة!
بدلًا من الغضب من الظلام و الشعور بانعدام الحيلة.. أنا لو كنت في نفس الموقف أشتري كمّيّة من البرتقال و أعصرها بنفسي.. و كفى الله المؤمنين القتال.. و بعد ذلك أفكّر براحتي عن الأسباب العجيبة التي تجعل الباحة و كأنّها تعاني من حصار على عصير البرتقال فيها!!!
طبعًا ما قلته آنفًا فيه شيء من المزاح مع الجدّ..
فقصد الكاتب هو أنّه غير راضٍ عن مستوى الخدمة المقدّمة في الباحة لضيوفها من السائحين و المصطافين.. فعصير البرتقال الطازج:(fresh) هو رمز للنقص العامّ في التجهيزات المفترض توفّرها في مدينة سياحيّة أساسيّة.
أبدًا.. لا يوجد مكان للسخرية في هذا الموضوع؛ فالحقّ و الحقيقة لا تُثير السخرية لمن كان له عقل!
و شكرًا للأستاذ بخيت و للقرّاء الأعزّة!