الأرشيف متابعات

في حضرة النور

[COLOR=blue]شعر : عبدالعزيز محيي الدين خوجة[/COLOR]

في هذه الهجمة الشرسة ضد صفوة الخلق التي أطلقها بعض الناعقين عليه في هذا العالم المسعور نستذكر هذه المشاعر التي تمثل موقفاً مهيباً وجلالاً يفوق الوصف.. فالقلوب تضج بمشاعر فياضة والنفوس وقد سابقت الخطى لتغتسل من أدران الدنيا وتنفض عن كواهلها ما أحدثته عاديات الزمان في حضرة النور تهيم الأرواح المؤمنة في فضاء الرحمة والشفاعة وتتبدد ظلماتها بعد أن ضعضعتها الأيام واعتصرتها الآلام وداهمتها الأحزان كأنها تتمثل قول شاعرنا:
بباب جاهك لاذت روحنا وبكت = إن الدموع حديث العابد الكلم
يستذكر شاعرنا بقلب نابض بالحب مترع بالإيمان خطوات نبينا الكريم عليه السلام ويتمه وسيرته العطرة حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة ثم يدلف مشفقاً على ما آل إليه حال أمتنا اليوم :

يا لفتة الظبى تغويني إلى الحرم = تحلو له فتنتي في الحل والحرم
إن قلت لا نال مني بالقلى فمه = وإن ألبي كفيت الإثم بوح فمي
فاكتم العشق في غور الضلوع أسى = والناس ترصده ناراً على علم
هل غادر الحي حتى خلته عدما = من سوف يحيي خواء الروح من عدم؟
أم ضاع عمري على حب بلا أمل =حتى ذراه امتناع النفس من ضرم؟
عض الزمان فؤادي وهو من حزن = على جراحي سقاني أدمع الندم
أهدرت حلمي وآهاتي مبعثرة = تصلى من البوح باللذات والسقم
اليوم فتحت الايام زهرتها =وأفرد القلب في بحر من العتم
فبت أحمل وزراً لا كفاء له = كالطود أخنى عليه كاهل الأطم
فالنفس تضعف إن جار الزمان بها = رحماك رباه ساعدني على اللجم
والنفس تصبو فتشفى وتمخر في = بحر الهوى دونما خوف من التهم
لعل حب رسول الله يشفع لي = في النائبات ويحيني من الأمم
فالله يعلم لم أشرك بوحدته = والله يمحو بنور المصطفى ظلمي
روحي فداه وقلبي فهو سيده
يا من هواه سرى في خاطري ودمي =يا خير مرتغب في الحشر نأمله
يوم القيامة حسبي خير معتصم = لو حل بي أرق ضقت من ألم
أدعو خيالك يشفي لمحه ألمي = من كوة الباب أرنو عل طلعته
تخصني بيسير الصفح في القسم = نور أضاء فعم الكون بارقه
والعابثون مضوا في لذة النعم = والمبصرون رأوا في الغيب بسمته
فبددت طغمة الأرزاء والدهم = يا سيد الكون دع روحي بتوبتها
تطوف مرضية في روضك الفغم = في حضرة النور تبقى الروح هائمة
والله بالنور يهدي الخلق كلهم = والنور طه نبي من يلوذ به
يلقى شفاعته في صد مقتحم = ما رد طه البرايا إن هم طلبوا
تخفيف أوزارهم من واسع الكرم
•••
قد أبشر الكون لما جاء مولده = وطاح إرث من الإيمان بالصنم
لا رب إلا إله واحد أحد = لا عهد إلا على عهد من الشيم
مجدت باليتم حتى صار مأثرة = وأكرم الحجر المرموق باليتم
جزت الفصاحة يا طه إذ اكتملت = فيك البلاغة من رأي ومن كلم
•••
لما أتت رسل الرحمن خاشعة = لغسل صدرك نبع الآي والحلم
ألفوك تهتف بالرحمن مجتلياً = فحصنوك ضحى من شهوة القرم
لم يبق في قلبك المرحاب ما اختصمت = فيه الخلائق من ملك ومن نقم
فالطيب في وجهك الوضاء نفحته = والصدق وحي على إفصاحك العصم
وكنت في ظل حراء على سعة = جبريل يرفدها من وافر الديم
•••
حاربت بالحق من ضلوا ومن كفروا =حتى استنار بدين الله كل عمي
وولت الروم حيرى من وساوسها =وعرش كسرى هوى في نكس منهزم
يا أشرف الناس خلقا زانه خلق =وارحم الناس خصما عف كالحكم
رددت عنك جبالا راودتك فلم = تقبل بها ذبا يغري ولم تسم
وفاوضوك على عرش ومملكة = زهدت فيها وضنت الرفض بالقسم
•••
إن العظام اذا راضوا عزائمهم =فعفة النفس تغدو مبعث الهمم
وانت يا من حوى الدنيا وآخرة = بنعمة الدين لم تجنح الى اثم
فكنت اول خلق الله قاطبة = من هل بالنور في الافلاك والسدم
يا خاتم الانبياء الرسل منعطفا =نحو الرفيع من الآكام والقمم
حزت الامامة فيهم والفرادة من = عمق الرسالة والاشراق في السيم
اسرى بك الله تفضيلا ومكرمة = ليلا الى المسجد الاقصى من الحرم
اراك ربك من آياته عجبا = فوق البراق فلم تفتن ولم تهم
صحبت جبريل والرحمن يقرؤه =وحيا إليك جليا غير منكتم
جاوزت افق طباق ما تجاوزها = جن ولا ملك او خارق النسم
وسدرة المنتهى تغشى بما غشيت = ما شاء ربك من علم ومن حكم
علمت ما شاء رب العرش من ازل = حتى سمعت صرير اللوح والقلم
•••
يا سيدي عدت محزونا وبي كدم = فمن يعيد من الضراء والكدم
بباب جاهك لاذت روحنا وبكت = ان الدموع حديث العابد الكلم
إليك اشكو وصايا الغدر في زمني =وبعض شكواي جرح نازف الحمم
فأمة العرب والاسلام ناشجة = على الغوابر في عصر بلا ذمم
ما حكموك لخلف طال بينهم = وكم تناءوا عن الآيات في صمم
فرب حبل برب الخلق متصل = قد بدلوه بواهٍ عنه منفصم
لا يؤمنون اذا لم يرتضوا بمدى = حدود ربك من حكم ومحتكم
•••
هذا الرسول حباه الله نعمته = فاتبع شريعته بالحق تستقم
يا سيد الخلق لا تغضب على خلف = كثيرهم ضل في الصحراء كالبهم
حاشاه ربك ما سُدت على احد = ابواب رحمته من زلة القدم
فاشفع اذا ظلموا لعلهم ندموا = كم يغفر الله رحمى ذنب متهم
فلطف ربك موصول برحمته = وانت شفيع الخلق من قدم
انت الذي لا يرد الله دعوته = فاغسل ضمائرنا من حوبة السأم
مولاي صل عليه بالرضا أبداً = فإنه المصطفى بدءاً وفي الختم

الأرشيف الثقافيـة

في حضرة النور

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]سلوى أبو مدين[/COLOR][/ALIGN]

قرأت في صحيفة البلاد بتاريخ 21 ـ 11 ـ 1431هـ، قصيدة لمعالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة بعنوان «في حضرة النور» فكرتني بـ ملحمة رسول الله عليه السلام التي نضمها الشاعر الكبير عمر أبو ريشة والتي بدأها بمطلع:
أي نجوى مخضلة النعماء
رددتها حناجر الصحراء
سمعتها قريش فانتفضت غضبى
وشبت مشبوبة الأهواء
ولعل شاعرنا أهدى إلينا قصيدته النورانية الرائعة فأثلجت صدورنا، وأيقظت فينا الغيرة على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم للدفاع عنه، ومقارعة أعداء الدين، ذلك أن أعداء الإسلام جددوا حروبهم وإشاعة الأباطيل التي ألصقوها الى الرسول صلى الله عليه وسلم وبزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أجمعين.
الوعي مجدداً بقيم النبوة:

الكتابة عن الكتابة شيء من الوجع، لا سيما إذا كانت الرؤية تستحضر أقوالا سابقة وتشخص صورا حاضرة في المشهد الآني، وتحيلنا الكتابة إلى نقد الذات عبر المقروء ونقد الآخر أثناء الكتابة، وفي كلا الحالتين تعبير محرض على التقصي من خلال تمرير الذائقة على غربلة النص وإسكاته في حضن اليقين بدلا من بقائه ملتاعا في ثورة الذات.
تمهيد لا أكثر للدخول إلى النص، فالنص بيت الكائن، والدخول إلى البيت يقتضي المعبر كي لا تنعمي الدروب إليه، لذك.. وجب علي النبش في ذاكرة التاريخ الشعري من خلال استدعاء قصيدة البردة للشاعر كعب بن زهير التي كتبها معتذرا للنبي عليه الصلاة والسلام حيث قال:
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
وقد أتيت رسول الله معتذرا
والعذر عند رسول الله مقبول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة
القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب وقد كثرت في الأقاويل
واعقبه البصيري بقصيدته التي مطلعها:
مولاي صلي وسلم دائما أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم
ولا أعدت من الفعل الجميل قرى
ضيف ألم برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أني ما أوقره
كتمت سرا بدا لي منه بالكتم
لم يكن البصيري مأخوذا بالحياة بقدر ما كان وفيا للعودة إلى نص وذاكرة خالدة تسري بنا إلى الطهر وأننا في استجابة دؤوبة، ولهذا يكمن الحس النبيل في كل شطر من قصيدته، ليعلمنا كيف يمكن لشاعر أن ينتمي لرسالته ويجدد روحا كتلك الروح المحلقة حول وهج النبوة.
وجاء أمير الشعراء أحمد شوقي ليجدد الذكرى العطرة بقصيدته (البردة) و(الهمزية) اللتين جدد بهما الذكرى العطرة لخاتم رسل الله صلى الله عليه وسلم. فنقرأ أبياتا من قصيدة البردة بقول شوقي:
رزقت أسمح ما في الناس من خلق
إذا رزقت التماس العذر في الشيم
لزمت باب أمير الأنبياء ومن
يمسك بمفتاح باب الله يغتنم
فكل فضل وإحسان وعارفة
ما بين مستلم منه وملتزم
محمد صفوة الباري ورحمته
وبغية الله من خلق ومن نسم
وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة
متى الورود وجبريل الأمين ظمي
سائل حراء وروح القدس هل علما
مصون سر عن الإدراك منكتم
كم جيئة وذهاب شرفت بهما
بطحاء مكة في الاصباح والغسم
ان الشمائل ان رقت يكاد بها
يغري الجماد ويغري كل ذي نسم
هناك أذن للرحمن فامتلأت
أسماع مكة من قدسية النغم
هنالك ثمة مشتركة، وحراك متجدد يصل هذه القصائد عبر نبرة حب لخير خلق الله وإحساس متصل، وهذه القصائد المتخمة بالاعتذارات، تحيلنا إلى معترك الخطايا التي تبدر من الكائن البشري.. ومن هنا جاءت قصيدة وقصائد (البردة) حيث إنها تلهج بالثناء على خير خلق الله، فقد سبق كل قائل الحق في الثناء على عبده بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم». إذاً فلمسة الغفران في هذه القصائد هي من رب العباد وخالقهم وحين نعبر إلى قصيدة الدكتور عبدالعزيز خوجه بذات الرؤى في الثناء على رحمة الله للعالمين كما شكلت القصيدة عنوانها (في حضرة النور) وحين نحلل عنوان القصيدة كما ينبغي نجده يهدف إلى تلك الإشعاعات، فالنور يأتي كماح للعتمة.
يقول الشاعر:
قد أبشر الكون لما جاء مولده
وطاح إرث من الإيمان بالصنم
لا رب إلا إله واحد أحد
لا عهد إلا على عهد من الشيم
مجدت باليتم حتى صار مأثرة
وأكرم الحجر المرموق باليتم
جزت الفصاحة يا طه إذا أكتملت
فيك البلاغة من رأى ومن كلم
لو أردنا تفكيك بنية النص بحسب نظرية جاك دريدا لوصلنا إلى ذات القيم النبيلة التي أوردها كعب بن زهير في بردته الأولى، وهي لا تختلف عن غفران البصيري وعن ميمية أحمد شوقي رغم اختلاف تسلسل الفكرة بحسب البناء الكلاسيكي، ولكن الروح المشبعة بالحب الدافق نجدها تذوب في لحظة العرفان حيث الروح أصل الأشياء بحسب تعبير الكلاميين.
في استدلال آخر من قصيدة الدكتور عبدالعزيز خوجه على أن هاجس الغفران، ولحظة العزلة في زوايا الدعاء، وفي مقطع جلي وصريح إذ يقول:
حاشاه ربك ما سدت على أحد
أبواب رحمته من زلة القدم
فاشفع إذا ظلموا لعلهم ندموا
كم يغفر الله رحمي ذنب متهم
فلطف ربك موصول برحمته
وأنت شفيع الخلق من قدم
أنت الذي لا يرد الله دعوته
فاغسل ضمائرنا من حوبة السأم
واختم طرحي بصورة فاضت فيها وشائج الشاعر لتبين حالنا اليوم لأننا مشغولون عن الله وعن الإسلام الجوهر المصفى، إننا اليوم كثرة ولكننا كما يقول الحديث، غثاء كغثاء السيل:
إليك أشكو وصايا الغدر في زمني
وبعض شكواي جرح نازف الحمم
فأمة العرب والإسلام ناشجة
على الغوابر في عصر بلا ذمم
ما حكموك لخلف طال بينهم
وكم تناءوا عن الآيات في الصمم