الأرشيف دولية

غينغريتش .. وثمن كرسي الرئاسة

د. عبد العزيز المقالح
ليس غريباً على من يلهثون وراء كرسي الرئاسة في أي مكان من العالم، وفي الولايات المتحدة خاصة، أن يرهنوا ضمائرهم ومعتقداتهم، أو يقدموها رخيصة لأية جهة يتوهمون أن في إمكانها أن تمنحهم هذا الشرف، وأن تصل بهم إلى الكرسي الذهبي الذي يجعلهم محط الأنظار.وكم من مرة خاب فيها ظن هؤلاء اللاهثين وراء السراب، كما خاب، من قبل ومن بعد، ظنّ المفكرين والحكماء الذين كانوا يبشرون بزمن قد يأتي يهرب فيه الناس على اختلاف مستوياتهم من كراسي الحكم ويزداد فيه وعي البشر وزُهد عقلائهم عن التفكير في السلطة، فضلاً عن التكالب عليها.وكان أولئك المفكرون الحكماء يتحدثون عن المسامير المعنوية التي تمزق وجدان الجالس على كراسي الحكم، وما يصاحب تلك المسامير المعنوية من فخاخ ومكايد تجعل من يجلس عليها لا يطمئن لحظة واحدة حتى لو كان عديم الضمير مجرداً من الشعور بالمسؤولية.والظواهر المتلاحقة المصاحبة لانتخابات الرؤساء أو من في مستواهم من القيادات الأولى في الشعوب المتقدمة، تؤكد أن الإنسان ما يزال عاجزاً عن كبح جماح أطماعه وتطلعاته نحو الأعلى، حتى لو كان هذا الأعلى كرسي بواب العمارة أو حارس الحديقة، وما يزال الإنسان غير العاقل، وأحياناً العاقل على استعداد أن يقدم أكبر التنازلات في سبيل الوصول إلى أي كرسي، وتلك باختصار مشكلة العالم منذ الأزل وربما تستمر معه إلى الأبد، رغم كل ما حدث في الحياة من تطورات ومتغيرات وثقافات، وما شهدته الشعوب في شرقها وغربها من تجارب ومآس سياسية كانت كفيلة بأن تغير من سلوك الناس، وتخفّف من أطماعهم وإهدار كرامتهم مقابل الجلوس على الكرسي الذي قد يأتي أو لا يأتي.
وإذا كانت الانتخابات الرئاسية الأمريكية هي الأشد منافسة، فإنها الأكثر استئثاراً باهتمام العالم ومتابعته لما للدولة العظمى من أهمية ودور في واقع الإنسانية المعاصرة. ومن المؤكد أن العام 2012 سيكون منذ بدايته وحتى نهايته عام هذه الانتخابات، وأن المنافسات ستكون أكثر سخونة من الأعوام السابقة، لما تواجهه الدولة العظمى من انكسارات اقتصادية وسياسية، ومن معارضات داخلية وخارجية، ولعل ما يثير الانتباه ويبعث على التقزّز، أن يتقدم للترشح عن الحزب الجمهوري شخص شبه مخبول اسمه \"نيوت غينغريتش\"، وهو اسم شبيه بمرض الغرغرينا القاتل. وهذا المرشح يحظى، كما يُجمع المحلّلون، بمساندة لا حدود لها من اللوبي الصهيوني، ومما يُسمّى بالليكوديين الأمريكيين، وله تاريخ سياسي لا يقل سوءاً أو فساداً عن تاريخه الشخصي الذي يندى له الجبين.لكن ما يهمنا في الحديث عن هذا المرشح غير السوي، هو قوله في بدء طرح نفسه مرشحاً \"إن الشعب الفلسطيني مخترع، وإن فلسطين لم توجد كدولة، بل كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية\"، إضافة إلى وصفه للفلسطينيين بالإرهابيين، وهي صفاقة غير مسبوقة في تاريخ كل المرشحين لحكم الولايات المتحدة منذ جورج واشنطن حتى أوباما.
وصهيونية هذا المرشح المبالغ فيها تؤكد أنه لن يحظى بالمرور من باب البيت الأبيض، فضلاً عن الدخول إليه رئيساً، فالشعب الأمريكي ما يزال قادراً على رفض هذا النوع من الأشخاص الذين من شأن وصولهم إلى سدة الرئاسة، أن يسارعوا إلى إغراق الأمة الأمريكية والدفع السريع بوتيرة الانحدار المحتوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *