الأرشيف دولية

عن عام التغيير

د. عبد العزيز المقالح

ربما يكون العام الراحل 2011 هو أول عام تساوت فيه إيجابياته مع سلبياته عربياً، بعد أعوام كانت حصيلتها السلبية هي الطاغية، فقد أثبت العام الراحل بما شهدته أيامه الطوال الحافلة بالانتفاضات والتطلعات المشروعة، أن الإنسان العربي الذي ظل مغيّباً عن قضاياه الأساسية ومغيّباً عن المشاركة في تقرير مصيره السياسي والاجتماعي، قادرا على تجاوز واقعه الأليم، وأن العام المنصرم بكل خسائره الفادحة في الأرواح والإمكانات كان عاماً مغيراً ومتغيراً، ولم يسبق له مثيلا في تاريخ العرب الحديث، فقد انتفض الشارع العربي على نفسه وعلى حكامه، وخرج شبابه في كل الأقطار العربية تقريباً، ليقول لا للسياسات التقليدية، وليقول للفساد وللاستبداد كفى، ولم يعد في مقدوره الصمت والانتظار إلى ما لا نهاية، وذلك ما يسجّل لمصلحة العام 2011.
وقليلة في تاريخ الأمة العربية هي الأعوام التي تختلف عما قبلها، وعما بعدها بما تحمله رياحها الطيبة من معالم التغيير المنشود. واللافت أن تلك الرياح الطيبة لم تكن وقفاً على قطر عربي واحد، بل تكاد تعم جميع الأقطار باستثناءات محدودة. أما تأثيراتها فقد عمّت الجميع حيث تردّدت أصداؤها في كل الأرض العربية ، مؤكدة وحدة أبناء هذه الأمة ومشاعرهم الطامحة إلى اللحاق بالعصر بعد عقود من الوعود السرابية والأحلام الكاذبة، وصار شعار التغيير هو الجامع الوحيد لوطن كبير ينشد أبناؤه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وعندما نتوقف لكي نقرأ نتائج هذا العام الذي تساوت فيه إيجابياته بسلبياته- كما سلفت الإشارة- فإن علينا أن نثمّن أولاً دور الشهداء، الصانعين الحقيقيين للثورات، وأن نتبين أن هذه الانتفاضات الشابة لم تقم من أجل إيصال فئة أو حزب إلى السلطة، وإنما من أجل التغيير الشامل، كما لم تقم من أجل استبدال حاكم قديم بحاكم جديد، وإنما هدفت وما تزال تهدف إلى تبديل مضمون الحكم وطريقة التعامل مع الشعب.
وهكذا لم يكن الخروج إلى الشارع للنزهة، أو لاستعراض العضلات، وإنما لتبني موقف سياسي ووطني متقدّم، ولاكتشاف آفاق جديدة للخروج من أزمنة الركود والوعود العرقوبية التي طال أمدها ولم يتحقق منها شيء في عالم الواقع.
لقد خرج الشباب ومعهم ملايين المواطنين إلى الشوارع رافعين أجندة مطالبهم المشروعة، وإذا كنا لا نستطيع حتى الآن أن نقول إن تلك المطالب قد تحققت، أو حتى بعضها، فإن الطريق إلى تحقيقها أصبح واضحاً، ولم يعد في مقدور أية قوة عسكرية أو أمنية أن توقف المسار الذي بدأ ولن يتوقف.
وما يُخشى منه على هذه الانتفاضات الشعبية غير المسبوقة في حياتنا العربية، أن يختلف أبناؤها ويأخذهم النزاع على الأمور الجانبية بعيداً عن المطالب الأساسية، ثم يأتي من يسرقها منهم، ويمكن القول في هذا الصدد، إنه لم يعد في وسع من يقفون في وجه هذا المد الجديد سوى أن يراهنوا على ردود أفعال الخلافات التي من شأنها، إذا ما استشرت، أن تؤخر النجاح الكامل إلى حين. ولهذا أتمنى على القيادات الفاعلة في أوساط الشباب أن تلتزم الواقعية والعقلانية، وأن تكون السلمية والابتعاد عن العنف في طليعة مهامها التغييرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *