الأخيرة

عن العشاق سألوني (13).. اسأل روحك (3)

الحياة رواية، لا تكتمل فصولها.تتداخل فيها المشاهد، وتتنوع الأدوار حسب مقتضى الحال. أما الممثلون فهم عادة يعرفون البدايات، ويجهلون النهايات. فإذا كانت الرواية المكتوبة عادة ما تختمر مسبقا في ذهن الكاتب، فيحدد لها خطوطها العريضة، وأحداثها، وأهدافها، ومقاصدها، وحتى أبطالها، لينهيها كما يريد، ووقت ما يريد. فإن رواية الحياة تختلف.إذ قد تعرف فيها البدايات، وقد يختارها الممثلون عن طواعية، لكن عادة ما تجهل النهايات التي قد تأتي عكس ما تشتهيه السفن. ومثلما هناك من البشر، من هم محكوم عليهم بالإعدام، وينتظرون التنفيذ، فإن البقية محكوم عليهم بالعيش.وفي أغلب الأحيان بالتعايش مع الظروف المحيطة، وما يمكن أن يصادفهم في حياتهم من أحداث، قد تغير مسارهم الذي رسموه لأنفسهم.
لم تكن مريم، ولا عماد يعرفان ما يخبئه لهما القدر.فقصة الحب الصامتة، التي نسجت خيوطها الأيام في لحظات تغييب للعقل، تحولت فجأة إلى زلزال عاطفي هز كيانهما.فكلاهما شعر بحاجته للآخر، ونسي أو تناسى العقبات التي يمكن أن تقف حائلا بينهما، وبين تحقيق أحلامهما.
كانت مريم تموت في اليوم ألف مرة، وهي تراه يودعها في المساء، ليعود إلى بيته حيث زوجته، وأولاده.أو وهي تتفرج في طريق عودتها إلى بيتها على مجموعات المتحابين، وهم يتجولون دون خوف من أعين الرقيب.
جل ما كانت تحلم به، هو أن تتناول معه يوما الغداء، أو العشاء في المطعم، أو حتى شرب عصير، أو شاي في أحد مقاهي المدينة.لكن هيهات.فكي يعيش هذا الحب، كان يجب له أن يبقى بعيدا عن أعين، وألسنة الناس التي لا ترحم.
ومع مرور الأيام، لم يعودا يستطيعان التحكم في أشواقهما، وحنين كل منهما إلى الآخر.فقررا الزواج في السر، ليعيشا حبهما في الحلال، وهما ينتظران أن تخفف الأقدار ذات يوم من أحكامها المشددة، ليعلنا زواجهما جهارا، نهارا، ويعيشان كبقية خلق الله.
ولأن المدينة على رحابتها، وكثرة سكانها، وازدحام شوارعها، كانت تظهر لهما ضيقة، وكل مبانيها من زجاج، فقد اتخذا قرارهما بالالتقاء في العطل السنوية، وعطل آخر الأسبوع، والمناسبات، في مدن وأماكن بعيدة.فبقدر ما كانا سعيدين بحبهما، وزواجهما، كان الخوف يسكنهما بأن تفاجئهما الأيام بما يدمر سريعا صرح حبهما الكبير.
ذات مساء، وهما على قمة جبل المقطم، يستمتعان بجمال منظر قاهرة المعز، وما يعكسه الموقع من سحر يأخذ الألباب، وضعت رأسها على كتفه، ثم همست له بصوت مخنوق:
انظر إلى المدينة، وسحرها.ملايين من الناس يتحركون، يتنفسون، يعيشون، ويحبون.
الكل يرى الكل، ولا أحد مجبر على التخفي مثل السارق.إلا أنا وأنت ياعماد.مازلنا نهرب حبنا من مدينة إلى مدينة، ومن شاطئ إلى شاطئ.مازلنا نلتقي وفي قلوبنا خوف من لحظة الفراق.
فمتى تعطف علينا الحياة، فنتخلى عن إحساس اللص الذي يسرق ما لا حق له فيه، فيتوارى عن الأعين؟متى يا عماد؟
دون أن يلتفت لها، تنهد تنهيدة عميقة وهو يحيط كتفها بيده، ثم قال:
-صبرا جميلا حبيبتي.مضى الكثير، ولم يبق إلا القليل، وستفرج بإذن الله.
( بعد الود اللى راعيته لك .. بعد الحب اللى وهبته لك
بعد العمر اللى أنا عشته لك .. فيه إيه تاني اقدمه لك
أنا مانسيتش الحب و عهده .. و لا أيامه ولا لياليه
أما ان كان ع الحب لوحده .. من غير هجرك أهلا بيه )
يتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *