شيرين الزيني
( إهداء إلى روح زوجي -رحمه الله-)
بعد أن استحمت لتتخلص من وعثاء السفر،تحدثت هدير مطولا مع والدتها.كانت تسألها،وتلح لمعرفة حقيقة ما يعيشه والدها، ودرجة الخطورة التي أظهرتها التحاليل،والأشعة التي أجريت له على مدار الأشهر الماضية،قبل أن يتشعب بهما الحديث إلى مواضيع مختلفة،عن حياتها في الغربة،ومدى تأقلمها مع نمط الحياة هناك.
إثر ذلك،اختلت هدير بنفسها لتأخذ قسطا من الراحة في غرقتها الخاصة،والتي اشتاقت لها كثيرا،لتستعيد فيها بعض الحميمية التي افتقدتها طويلا،رغم سعادتها بالعيش مع زوجها في الخارج .
كل ما في الغرفة ينبش في ذاكرتها التي ترفض النسيان.فهذا مكتبها الذي سهرت عليه الليالي،وهي تراجع دروسها.وفي تلك الزاوية كم أسندت ظهرها إلى الجدار،وأغمضت عينيها لترسم أحلاما وردية كبقية بنات سنها.حتى وسادتها اشتاقت إليها،وقد تحتملت طويلا رأسها الصغير المثقل بمشاكسات الحاضر،واستشراف المستقبل.
لم تكن تلك الليلة هادئة،ولم يطغ عليها صمت القبور كسابقتها. فالبيت لم يكن يفرغ إلا ليمتلئ من جديد.فأغلب الأهل والأصدقاء تقاطروا من كل حدب،وصوب ليطمئنوا على صحة وليد،بعد أن شاع بينهم خبر تدهور حالته الصحية.
لكن،ما لم يكن متوقعا،بل كان مفاجئا للجميع هو تماسكه،وصلابته،فكأنما الرجل استعاد فجأة عافيته.فقد غادر سريره ليجالسهم في الصالون،ويتبادل معهم الحديث في شتى المجالات،دون أن تظهر عليه بوادر الإعياء،لولا تنفسه بصوت مرتفع من حين لآخر نتيجة إحساسه بضيق في التنفس.العجيب في كل هذا أنه كان في أحيان عديدة المبادر لفتح نقاشات،وهو يؤيد هذا،ويعارض ذاك،ويتعصب مع هذا،ويبتسم لذاك كعادته كلما جمعهم ظرف ما!
كانت سهرة لطيفة،وجميلة أعادت لشيرين بعض الراحة النفسية،رغم إعيائها الظاهر،واهتمامها بخدمة ضيوفها.
بعد مغادرة آخر الزائرين،ران صمت خفيف على المكان،قبل أن ينتصب وليد واقفا ليقول:
-شيرين…روحي غيري احنا حنتعشى الليلة في مطعم فاخر،ونحتفل بعودة هدير.
لم تقل شيرين شيئا.فقد أفقدها الموقف القدرة على التفكير.جالت بنظرها طويلا بينه،وبين هدير قبل أن تتجه صوب الغرفة لتغيير ملابسها.
فجأة سمعت هدير تصرخ وتناديها.عادت أدراجها مسرعة،لتجده منهارا على الأريكة،وابنتهما تسند رأسه على كتفها وهو يتمتم.
-سامحيني يا هدير.سامحيني يا بنتي.كنت عاوز احتفل بكِ وأفسحك زي زمان…أكيد انت ما نسيتيش يا بنتي..أكيد ما نسيتيش.
( ولا ليله ولا يوم.. أنا دقت النوم ..أيام بعدك
كان قلبك فين؟..وحنانك فين؟.. كان فين قلبك؟
كان فين قلبك ؟؟؟
أنساك ده كلام انساك يا سلام )
يتبع ..
