شيرين الزيني
تلك الليلة وعكس ما دأب عليه ، لم يطل شريف الحديث مع والده، بل انسحب سريعا إلى غرفته، كمن يعتقد أنه حينما يغلق على نفسه الباب، سيختلي بمحبوبته ليناجيها، وتناجيه. في الحقيقة هو جلبها معه إلى البيت بما يمتلكه من أحلام، وسعة خيال، وهيام بمن ترك معها قلبه، وعاد إلى البيت دون قلب.
كان ليله طويلا، متقطعا. فقد استيقظ مرات ومرات، وهو يبحث عن شعاع شمس يتسرب من نافذة غرفته، ليعلن انبلاج الصباح.
لقد استولت على كل تفكيره، حتى توحد فيها الزمان، والمكان.
بعد استسلامه لبعض النوم المتقطع، استيقظ على غير عادته في أيام الإجازات. فقد نتعود النوم في مثل هذه الأيام إلى ما بعد الضهر. لكنه هذه المرة وجد نفسه لا يقوى على البقاء في السرير أكثر مما بقي.
مد يده في تثاقل وهو يتثاءب إلى الهاتف ليرى الساعة، فاكتشف أن شاشة العرض تخبره بأن لديه رسالة. فتحها على عجل ليقرأ:
(صباح الخير شريف. لم اتمكن من النوم جيدا، فكلما تقلبت، أنعشتني رائحة عطرك التي تركتها على يدي وأنت تصافحني مودعا)
أخرسته المفاجأة، ليبقى لبضع ثوان دون ردة فعل، وقد زاغت عيناه، وفغر فوه، وتصاعدت دقات قلبه حتى ليكاد يسمعها بأم أذنيه.
تمدد قليلا على سريره وهو يحاول استرجاع أنفاسه، وهدوئه، ثم اتصل بها . لم يكد الهاتف يرن حتى أتاه صوتها الملائكي ليعلن بداية حياة، وفجر حب جميل.
لم يذهب لها عبر أربعة أبواب. بل اختار باب الصدق. وأخبرها أنه أحبها من أول لحظة رآه فيها، وأن كل حلمه أن يلقاها وحدها بعيدا عن الأصدقاء، ليتحدثا في راحة.
وكانت بداية الرحلة. فقد وافقت على دعوته لها للغداء معا في أحد مطاعم المدينة، لتتوالى اللقاءات، وتتعدد وتنشأ بينهما قصة حب مجنونة، أبعدتهما قليلا عن الأصدقاء، حيث تفننا كثيرا في ايجاد الاعذار لعدم الرد على دعواتهم.
ولأنه رجل رباه أبوه على الحب العفيف، النظيف. ولأن قصة حب والده للمرحومة أمه، وما لمسه منه من وفاء لها بعد رحيلها، كانت وجبته اليومية. فقد اختار ان يدخل البيوت من أبوابها، وطلب من وفاء التي كانت قد فقدت أباها هي الأخرى، أن تحدد له موعدا مع أمها ليخطبها منها.
وكان له ما اراد. فقد فرحت الام بالخبر، خاصة وأنها وحيدتها وتريد الاطمئنان عليها من غدر الزمان. فلا شيء مضمون في دنيا اختلط فيها كل شيء، وأصبح الانسان لا يأمن على نفسه.
وكان اليوم الموعود. واستقبلته أمها بكل ترحاب، وأراحه ما قرأه في ملامحها، وحركاتها، وتصرفاتها من سعادة، وحسن استقبال.
وكعادة النساء في مثل هذه المناسبات، أخضعته لما يشبه عملية استجواب ، وهي تسأله عن أصله، وفصله، وطبيعة عمله، وممتلكاته، وغيرها من الاشياء التي راح يجيب عنها بكل صدق، وتلقائية.
وما أن أكمل إجابته عن آخر أسئلتها، حتى تفاجأ بها تقف، وقد قست ملامحها، وتغيرت نبرة صوتها وهي تزمجر:
-الظاهر أنك اخطأت العنوان يا افندم. انت عارف نفسك مين؟ وجاي تخطب بنت مين؟ اتفضل يا ابني، روح شوف وحدة من مستواك. قال جواز قال.
عقدت المفاجأة لسانه، فلم يستطع النطق بكلمة واحدة. وقف بصعوبة، ثم اتجه صوب الباب يجر رجليه جرا، وجسمه يتصبب عرقا.
-شريف. . . استنى يا شريف. . . ماما إيه اللي أنت عملتيه ده؟
-اخرسي أنت وروحي أوضتك ، كلامي معاكِ بعدين.
لم يستطع حتى رفع رأسه للنظر إليهما، وهو يغادر الفيلا التي أحسها قبرا يدفن فيه مع أحلامه، وأماله.
مشى بضع خطوات، ثم توقف واستدار نحو البيت. أمام نافذة إحدى غرف الطابق العلوي، كانت وفاء تنظر له دون حركة، كأنها صنم.
نظر إليها طويلا، قبل أن ترتخي يده، لتسقط باقة الورد التي جاء بها، والتي وضعتها له أمها بين أحضانه وهو يغادر.
( ذكريات عبرت أفق خيالي
بارقا يلمع في جنح الليالي
نبهت قلبي من غفوتة
وجلت لي ستر أيامي الخوالي
كيف أنساها وقلبي
لم يزل يسكن جنبي
انها قصة حبي )
ولحديث القلوب شجون لا تنتهي
يتبع ..
