الأخيرة

عندما كنت رئيساً .. لبلدية جدة الجديدة

بخيت طالع الزهراني

ذات مرة طلب مني رئيس التحرير الأسبق لمجلة ( اقرأ ) الدكتور عبد اللّه مناع , أن أذهب ومعي مصور المجلة لتصوير وكتابة تقرير صحفي عن النفق الجديد – حينها – الذي يقع بجانب قصر السلام بجدة من الناحية الشمالية ، حيث كان في مراحل الإنجاز الأخيرة .. على أن يتم تتويج التقرير والصور التي سنأخذها من الموقع , بتصريح من رئيس بلدية جدة الجديدة .

وعلى الفور انطلقت وزميلي المصور، إلى بلدية جدة الجديدة ، لنأخذ التصريح أولاً ، حيث أننا لا نعرف ظروف رئيس الفرع , فقد يكون لديه اجتماعات أو جولات أو نحوها .. أما التصوير للموقع فإنه سيكون مرحلة تالية ، باعتباره أمراً مقدوراً عليه في أية ساعة من النهار .. وعندما وصلنا إلى فرع بلدية جدة الجديدة كان حظنا عاثراً , هكذا بدأ لنا الموقف للوهلة الأولى ، فلم نجد رئيس الفرع .. وقالوا لنا انتظروا في مكتبه , فقد يعود من مهمة اجتماع بعد قليل .
وما إن دخلت وزميلي المصور إلى مكتب رئيس الفرع , حتى وجدناه خالياً بطبيعة الحال .. لكن حالة من النزق الغريب انتابتني , فتوجهت إلى المقعد الخاص به ، خلف المنضدة الكبيرة الفخمة ، ورحت أجلس عليه ، وأومئ لزميلي المصور بحديث أحلام وخيالات , قائلاً : ( ما رأيك لو دار الزمن , وكنت رئيساً لفرع بلدية في جدة ) ؟!!.
وفي هذه الأثناء وبينما أنا متربع على كرسي رئيس الفرع , إذ بأحدهم يدخل علينا فجأة .. ولم يكن هذا ” الأحدهم ” سوى المهندس ( محمد سعيد فارسي ) رئيس بلدية جدة , الذي كان مشهوراً بمتابعته وجولاته ودينامكيته .. فأسقط في يدي حينها ، ورحت أغرق في بحر من الخجل والتواري .. وبدلاً من أن يمتعض مني الرجل – وهذا من حقه – بل هو ما كنت أتوقعه ، كانت ردة فعله مفاجأة لي لم أكن أتوقعها ، فقد تقدم نحوي بكل هدوء ، فيما قمت أنا بمغادرة المقعد ، والانسحاب منه بهدوء وخجل شديدين .. إلى أن جلس الفارسي على المقعد نفسه متربعاً .. فيما رحت أنا أحاول ( ترميم ) الموقف ، حيث بدأت بتعريفه نفسي ومهنتي .
فبدأ هاشاً باشاً في وجهي ، وهي الدفقة النفسية التي كنت أحتاجها , والتي أزالت عني خجل الموقف .. إلى أن قال لي بل أنا الذي سأرافقكم إلى النفق الآن لأتحدث لكم هناك من خلال الوقوف عليه ميدانياً , فكان هذا في الواقع موقفاً نبيلاً ورائعاً ، من رجل كبير فعلاً .. تهمه المواقف الكبيرة ، ولا يلتفت للصغائر .. وكان بالنسبة لي موقفاً رجولياً تربوياً حكيماً , استفدت منه سلوكياً وتعاملياً ومهنياً .
ثم عندما عدت للدكتور عبد اللّه مناع مساء نفس اليوم .. فاجأته بأنني جئت له بتصريح ليس من رئيس الفرع ، وإنما من رئيس بلدية جدة نفسه.. فبدت عليه ملامح الاغتباط والسعادة .. دون أن أروي له – بطبيعة الحال – ذلك الموقف الغريب الذي قمت به ، والذي تعلمت منه دروساً كثيرة , وفي تقديري أنني لو قلت ذلك الموقف للدكتور المناع .. لكان أن رد علي أولاً بضحكة عالية مجلجلة كعادته ، ثم قد يعقبها ببعض كلماته الخفيفة اللاذعة في الوقت ذاته ، والتي كنت أرى أنني أستحقها فعلاً ! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *