الأخيرة

عندما تكون قوة الشخصية في صمتها

•• لأول مرة شاهدته في مكتب صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة أيامها وهو يعرض على سموه مخططات ثلاث عمارات كبيرة في شرق المسجد النبوي الشريف سميت بعمائر الأوقاف كان هادئاً في عرضه ذاك ومقنعاً فيما يقول من كلام هندسي واع.. يومها أحسست بانه أحد الذين يذهبون الى ما يريدون بقناعة الواثق بما يحمله من أفكار وما يجيش داخله من آمال تراه فتزداد يقيناً بانه من أولئك الأفذاذ من الرجال الذين يتمتعون بخلق غاية في السمو والأريحية، لا يجري خلف مظاهر الحياة مع قدرته على أن يكون أحد فرسان تلك – المظاهر – المبهرة في ذلك المضمار المغري.. لكنه يدرك أنه مضمار نهايته غير سليمة فلا يذهب إليه.. وذلك بقوة ايمان وحصافة نفس.
وهو يعطي لمن يراه لأول مرة انطباعاً مغايراً لما يظهر عليه من هدوء قد يفسره الرائي له بانه لا يعتني بمن حوله.. مع أن ذلك المظهر في حقيقته مظهر مخادع فهو شديد الحساسية لمن حوله يعرف أدق التفاصيل عنه.. ويتعامل معه وفق قناعته بما هو فيه من حال.. له نظرته الدقيقة فيما يعرض عليه من أمور فيتخذ قراره دون تردد لديه.. له المعية الخاصة به في النفاذ الى ما يريد من مواقف.. فيعطيها من ذاته اخلاصه ومن قناعته ايمانه.. هادئ الى درجة الملل لكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة دائماً..
•••
له موقفه الإنساني الذي يتخذه بقناعة فهو لا يذهب الى خلط الخاص بالعام بل يعطي لكل قضية أبعادها أي لديه لكل وقت لبوسه كما يقال.
وقد أصفه بمهندس القضايا المعقدة التي تأخذ من وقته كثيراً من التأمل.. فهو يعرف أن لكل مشكلة حلا.. وأنه يؤمن بانه حل المشكلة يكمن في داخلها لا من خارجها وهذه ميزة توفرت لديه من كثرة ما مرت به من تجارب.. حيث وجد أن أية مشكلة غالباً ما تبدأ من تفاهات الأشياء فتكبر إذا لم تجد من يمسك برأس خيطها ويأخذ في تفكيكها فأنت تراها تكبر وتتشعب لهذا فهو من أولئك الذين يمسكون بالمشكلة من بداياتها فيقومون بردم جذورها وتجريف بذورها.
كل هذا أعطاه صفة – الحكمة – التي يؤطرها عقلانية يتمتع بها.. فتجعله أكثر تفهماً لما يطرح.
عنده ميزة الاستماع وتلك صفة لا توجد إلا عند أولي النهى.. وهم الذين يعطون من سماحة نفوسهم أرحبها.. لهذا نادراً ما تمسكه رافعاً صوته في نقاش أو في حوار وتلك خصلة مهمة في تكوينه النفسي.. قد يكون هذا اتى له من ارثه النفسي من والده الذي عرف عنه قدرة كبيرة على احتواء من أمامه بما يمتاز به من صفات إنسانية كريمة.. وقدرة على العطاء وبشكل محدد فهو لا يتوقف عند تفاصيل ما يريد الذهاب الى فعله انه إنسان الفاعل القادر على فعل ما يريد بإخلاص رحمه الله.
إن يحيى محمد بن لادن ابن ذلك المعلم شديد العصامية فيحيى ذلك الرجل المتمكن من قدراته المحاطة بخلق رفيع تعطيه قوة القبول عند الآخر وتجعله أكثر رضا مع نفسه.. فهو متصالح معها الى حد الذوبان فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *