•• كان – صامتا – لا يميل الى الصخب .. يتحدث في حدود ما يريد الحديث عنه لا ينساق خلف ما يدور حوله أو أمامه من احاديث لا تستهويه أي ان ليس لديه هواية او شهوة في الكلام.
ذات يوم كنت في زيارته في منزله في باب الشامي وكان المطر يهطل بغزارة وكان في صحبتي اخونا القاص والناقد المغربي عبدالسلام المفتاحي الذي كان في وداعه لانتهاء دراسته في الجامعة الاسلامية ورحيله الى بلاده المغرب عندما قُدمت لنا اكواب السحلب راح رحمه الله يحدثه عن الاندلس وعن تفاصيل بلاد المغرب وعن كبار كتابها ومفكريها
عند خروجنا بعد ان \"كفت\" المطر من الهطول قال – المفتاحي – انه رجل تعلمت منه الحرص على ان لا اتحدث في كل شيء الا بعلم وعن معرفة وأذكر ان قلت \"للمفتاحي\" يومها ان الذين اقتربوا منه يعرفون فيه ذلك الباحث في ادق التفاصيل، والذين يلمسون فيه ذلك الانسان الصامت يعرفون انه يكون اكثر ضجيجاً في صمته فهم لا تخونهم فراستهم في اعتقادهم ذاك فهو اكثر ما يكون حديثا في صمته كأنه يحاور الاشياء من حوله ويتذاكر تفاصيل احداث التاريخ في ذاكرته.
اذكر ان قلت له ذات يوم بعد حوار طويل اجريته معه عن مدى اهتمامه بالتاريخ وبالتراث وبالذات تاريخ الجزيرة العربية وبالأخص تاريخ المدينة المنورة حيث كان ايامها يناقش معالم الطريق الذي كان يسلكه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في طريقه الى قباء وسألته عن سر اهتمامه بهذا فقال كما اذكر تماماً.
اسمع يا ابني المحافظة على الاثار يعني اهتماما بالتاريخ الذي يعني في عمقه معرفة الحقيقة التي هي هدف الانسان والمدينة المنورة يكاد يكون لها \"تراث\" خاص وهو تراث يمتاز عن أي تراث آخر لأنه مرتبط بسيد الخلق صلوات الله عليه.
•••
انه من الرجال الذين يؤمنون بقدراتهم بل يعطون حيثياتهم مكانتها الرفيعة في تواضع المعتدين بأنفسهم لا المغرورين بطموحاتهم، القادرون على اقناعك بما يقول دون التحفظ على ما قال:
من ايمانه بذاته واعتداده بها انه كان ذات يوم وكان مسؤولا كبيراً رئيساً للبلدية عندما أتى ذلك المسؤول الكبير في السلم الوظيفي طالبا منه النزول اليه من مكتبه الى سيارته لإعطائه بعض التوجيهات عندها رفض \"السيد\" تلبية الطلب وقال لمن أتى يبلغه رغبة ذلك المسؤول في لقائه قائلا له:
انا مسؤول وهو مسؤول ولي مكتب فليأتي الى مكتبي:
بعدها قدم استقالته من ذلك المنصب – الحلم – رئاسته البلدية هذا التصرف الدال على مدى ما يحمله من كرامة ومن اعزاز بذاته كان كل ذلك ينطلق من شعور بالكرامة لا تخفى على من يعرفه أو حتى يراه. انه البحاثة والمؤرخ السيد أمين عبدالله مدني.
هذا الذي ذكرته يبدو انه يدون لأول مرة وان كان يعرفه عدد لا يتعدى اصابع اليد الواحدة من معاصريه.
ولكنها الحقيقة رحمه الله.
