فاروق صالح باسلامة
هذا الرجل علامة في علوم المجتمعات الانسانية وآدابها وفي ظواهر الفكر الاجتماعي ولغات الناس ولهجاتهم وعاداتهم العامة.فهو مفكر ثقافي واديب اجتماعي ومثقف عميق المعرفة لكنه متواضع في مستواه الفردي دمث الخلق في سلوكه الانساني والاجتماعي ماضياً قدماً في العلم وتعليمه، والمجتمع وافكاره والكتب وتأليفها، والدرس ومحاضراتها العلمية لاجيال من طلاب علم الاجتماع وآدابه وفنونه وهو مؤسس لكثير من اقسام هذا العلم في الجامعات الاكاديمية في العالم العربي والاسلامي نظراً لخبرته وبصره في هذا العلم العظيم والممارسة الفعلية في تعليمه وغزارة علمه فيه وعملية هذا الفعل المؤسس لهو تفعيل العلم والمعرفة والخبرة والبصيرة والدراية العلمية والعملية في مجال المجتمع البشري والانساني والآداب الاجتماعي وغرائب النظم والتقاليد.
إن توجه الدكتور علي عبدالواحد وافي الاجتماعي لهو توجه علمي بحت، لكن يندرح في الادب الانساني وعلومه الاجتماعية وفنونه المعرفية في آفاق رحبة وعوالم فسيحة من الابداع والطاقة المعنوية والمعرفية بلا حد مادي او هيكلي، وانما هو العلم وثقافته والادب وتفكيره والمعرفة وقيمتها الحاشدة المعاني والجمة الفائدة بلا حدود او سدود للانتهال من المعين الاصيل والمنهل العذب الفرات، ولهذا الواقع علوم متعددة بطبيعة الحال حيث يدخل علم اللغة وعلم الاجتماع وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم الادب.. الخ ما هنالك من فنون العلوم ومعارفها وصنوفها وضروبها المتنوعة والمتعددة ذات الالوان المختلفة، الشيء الذي يعبر عنه ببحر لا ساحل له ولجته العلم والمعرفة والادب وتاريخ الناس وتراثهم الديني والمعنوي والروائي القصص!
وإذا اردنا ان نكشف الضوء على مسارات هذا التوجه العلمي والادبي والاجتماعي عند الوافي خرج علينا بمصنفات ومؤلفات امثال: “علم اللغة”، “فقه اللغة”، “نشأة اللغة عند الانسان”، الادب اليوناني القديم”، علم الاجتماع”، “الاسلام في المجتمع العربي”، ابن خلدون منشئ علم الاجتماع”، “المرأة في الاسلام”، “بحوث في الاسلام والاجتماع”، هذه الاعمال الفكرية أشغال ثقافية بلاشك وتعتبر ابحاثاً راقية في العلوم الادبية والآداب الحية من انسانية واجتماعية وتاريخية ودينية، تؤتي اكلها كل حين فضلاً، وعاد المؤلف الى مصادر ومراجع متعددة وجمة وغفيرة العدد وكثيرة الاحصاء بما فيها النوادر من الاثار المخطوطة والكتبية لانجاز اعمال واشغاله الادبية هذه من خلال اعماله التي توجها بكتاب “عبقريات ابن خلدون”، الجامع المانع في موضوعه التاريخي الاستثنائي عن حياة ابن خلدون وسيرته، وعلمه وادبه وفلسفة التاريخ في رؤيته وتأليفه فهو الذي استنبط علم الاجتماع “العمران” ووضع للعلوم الدينية والعلوم الادبية مقدمة لتأصيلها وانشأ فلسفتها وتاريخها من خلال المقدمة وكتاب “العبر” المعروف بتاريخ ابن خلدون الذي يحتوي على اكثر من عشرين مجلد وجزء. وازدك من القصيدة بيتاً اخي القارئ ان الوافي رحمه الله قد أخرج “مقدمة ابن خلدون تخريجاً علمياً وحقققه أدبياً ونشره حاملاً على هوامشها الضبط الحقيقي والملاحظات العلمية والتاريخية وتصحيح بعض ما ورد في المتن ليملأ الحاشية توضيحاً بالمعلوم من المعارف والادبيات والمعلومات العامة وبذلك انبلج نور المقدمة الخلدونية في حلة ادبية تاريخية واجتماعية.
فابن خلدون عبدالرحمن ابو زيد ولقبه ولي الدين الحضرمي الاصل والتونسي المولد المغربي والاندلسي المنشأ والحياة والمعاش، هو من سلالة وائل ابن حجر الكندي الذي بايع النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة ممثلاً عن نفسه وعن اهل حضرموت، كان هذا العلامة أديباً ولغوياً وشاعراً له دور طليعي في مسيرة الادب العربي في العصر الوسيط وترك أثراً في أدباً عصره وشعرائه، وكان رائداً في هذا المجال كما انه أول من كتب من العلماء عن شخصيته الذاتية في كتابه “التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرفاً” وذلك بما عنّ له من علومه وتجاربه الخاصة واعماله المهنية والتفاعلية في الدولة والسلطنة وقد استفاد المؤرخون من بعده من كتابه هذا التعريفي عن نفسه وحقق الدكتور علي عبدالرحمن وافي في الكتاب كتابه العبقريات مالم يذكره ابن خلدون وما سها عنه من ذكر عن الحوادث ومجريات الامور، على ان من حقق كتاب “التعريف” هو المؤرخ المغربي المعاصر الاستاذ محمد بن تاويت الطنجي رحمه الله، واخرجه في مجلد لطيف ونشره، عن بعض جور النشر في تركيا والشيء يذكر بالشيء ان الطنجي اخرج كتاب العبر لابن خلدون في نشرة كاملة، ذكره خيرالدين الزركلي في الاعلام وذلك ضمن اهتمامات الطنجي في دراساته عن ابن خلدون، والظاهر من ذلك ان الدكتور علي عبدالرحمن وافي قد رجع كثيراً الى اثار الطنجي عن ابن خلدون التاريخية والاجتماعية العلمية والادبية، منها والفكرية وهذا لا يعيب الدكتور بقدر امانته العلمية والتأليفية والادبية في الاعمال التي قام بها في تحقيقه للمقدمة في ثلاثة مجلدات اضافة الى كتاب العبقريات “عبقريات ابن خلدون” وكما تعددت كتب الوافي كثرت بحوثه العلمية ودراساته اللغوية واللسانية وبين ايدينا كتابه “علم اللغة” الذي يبحث نشأة اللغة الانسانية والتعبير والاصوات ذات الدلالات الوضعية والاسس التي سار عليها الانسان والنماذج التي احتذاها في وضع الكلمات وفي تعيين مدلولاتها ونشأة مراكز اللغة في النوع الانساني ىانظر صفحة 6 طبعة دار نهضة مصر للطبع والنشر – الفجالة – القاهرة الطبعة التاسعة، واتسع بحث الوافي في علم اللغة حيث اشتمل على نشأة اللغة عند الطفل ثم تفرع اللغة واللهجات المحلية للناس ثم تحدث عن نشأة لغة الكتابة واختلاف لهجة الرجال عن لهجة النساء. وهناك فصائل الللغات عند البشرية والانسانية كالفصيلة الهندية والاوروبية وهناك الفصيلة الحامية والسامية وبحث في بعض ما تختلف فيه السامية عن الهندية والاوروبية والتطور اللغوي العام في المجتمعات الانسانية والبشرية في الوجود البري والارضي وفي الكيان الانساني على وجه عام.
وكان لهذا البحث اللغوي ان يكون ذا صلة ببحث اخر هو في كتابه الموسوم “غرائب النظم والتقاليد والعادات” وهو الكتاب الذي يبحث في كثير من النظم والتقاليد والعادات الاجتماعية المتبعة في شعب ما غريبا في نظر شعب اخر وفي مرحلة ما من مراحل تالية في حياة اخرى او كان ذلك مسايراً للمنطق والغرائز والميول ولم يكن ذلك متطرواً ومتغيراً، وقد يلوح ذلك مبهما او غامضاً نوعاً ما الا ان الشعوب الانسانية قد مرت منذ القدم باطوار اجتماعية غريبة ومتغايرة يشوبها عادات كالصيام عن الطعام وقضايا نظامية كمقاضاة الحيوان والجماد وتكلم المؤلف في هذه القضية بكلمة مجملة عن هذا النظام ومبلغ انتشاره في بعض البيئات من العالم الانساني والبشري.
وهو حديث ماتع وجامع كما عود المؤلف قارئه في سائر كتبه ومؤلفاته الدالة على اصالة علمه وغزارته في سياق فكري وثقافي راق وفسحة معرفية من مجموع من المصنفات الكتبية سوى مقالاته وابحاثه ودراساته بالصحف والمجلات الدورية اليومية والشهرية التي اضاءت للمتلقين نور المعرفة وضياء العلم، والله في خلقه شؤون.
