اقتصاد الأرشيف

علاج حمى الشراء .. الاستهلاك الشره يضر بالاقتصاد

د.كمال توفيق حطاب

يقبل الناس في كثير من الدول العربية والإسلامية وخاصة في المناسبات كشهر رمضان والعيد على الشراء بشكل لم يسبق له مثيل؛فما إن يهبط إلى الأسواق صنف جديد من الأغذية أو الملابس أو أدوات التجميل أو المنظفات أو الأجهزة الكهربائية أو الرياضية أو غيرها حتى يتسارع الناس إلى اقتنائه وكأنهم كانوا ينتظرونه منذ وقت طويل،وبعد فترة بسيطة تتحول هذه الأصناف إلى ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها.
وهناك عدة أسباب وراء حمى الاستهلاك، أبرزها ما يلي:
1- تزايد أعداد السكان:
يعتبر معدل الزيادة السنوية في السكان في الدول العربية والإسلامية من أعلى المعدلات في العالم؛ حيث تصل إلى 3% سنويا، ويترتب على هذه الزيادة زيادة مماثلة في الطلب على الغذاء وعلى سائر السلع والخدمات الأساسية والكمالية.
2- ثورة الطموحات والتطلعات:
حققت البشرية في القرن العشرين إنجازات عظيمة لم يعرفها الإنسان في القرون الماضية؛ وهو ما أدى إلى انقلاب في التصورات والطموحات والتطلعات لدى البشر؛ ففي ظل الثورة الإعلامية الهائلة أمكن للرجل الفقير المعدم أن يرى ما يتمتع به أغنى الرجال في العالم وأكثرهم رفاهية، من خلال شاشة التلفزيون؛ وبالتالي أخذ يتطلع ويحلم بتحقيق ما لم يخطر بباله، وما لم تبلغه تصوراته ويفوق قدراته وإمكاناته.
لقد برع أصحاب شركات الدعاية والإعلان في ترويج السلع والخدمات وتزيينها للناس عن طريق الدعايات والإعلانات التجارية التي تعرض على شاشات الفضائيات ومحطات التلفزة، والتي يقوم بإعدادها إخصائيون بارعون في الموسيقى والألحان والإخراج الفني، ونتيجة لذلك أتقن أبناء المسلمين ثقافة الاستهلاك؛ فهاهم يتباهون في اختيار أنواع وأشكال أجهزة الجوال، والستالايت والريسفير والسيارات.
3- تغير أنماط الاستهلاك:
بفضل الثورة الإعلامية وثورة الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا أصبح الرجل العادي يتطلع إلى التقدم والحصول على المنتجات الجديدة والأدوات والخدمات والسلع والأطعمة الجديدة، ونظرا لانتشار أطعمة ومشروبات وسلع عالمية أمكن التغلب على الكثير من عادات الأكل والشرب واللباس الخاصة بكل شعب وأمة.
4- التقليد:
إن ظاهرة تقليد المغلوب للغالب وانبهاره به ظاهرة غريزية، أشار إليها ابن خلدون في مقدمته، ووجدت لدى الكثير من الشعوب، ومنها الشعوب الإسلامية؛ فأقبلوا على الملذات وعلى كل جديد يأتي من الغرب، من أجل محاولة اللحاق بركب الدول المتقدمة وتحقيق بعض ما يحققه أبناء الغرب من رفاهية ومتعة.
5- ثقافة الاستدانة:
لقد انتشر في الناس في أيامنا الحاضرة أخلاقيات الإقراض والاقتراض؛ فما دامت توجد بنوك تقرض وكفلاء يكفلون فلا توجد مشكلة، وهكذا يقترض الكثير من الناس للضروريات وغير الضروريات، سواء أمكنهم السداد أو لم يمكنهم، وهكذا يتزايد الاستهلاك، وتزداد ديون الأفراد، وحتى الدول تتزايد ديونها بأرقام فلكية.. وبما يجعلها غير قادرة على السداد؛ الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة وارتفاع الأسعار ووقوع هذه الدول في قبضة الدائنين، يفرضون عليها من البرامج والشروط ما يشاءون وما يخدم مصالح الدائنين فقط.
ملامح العلاج
يمكن طرح بعض جوانب علاج هذه الظاهرة في النقاط التالية:
1- الالتزام بالضوابط الشرعية:
حددت الشريعة الإسلامية نمط الاستهلاك وكمية الطعام والشراب التي ينبغي أن يتناولها الإنسان المسلم، وذلك من خلال قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا»، وقوله تعالى «وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا»، فمن حيث النوعية يجب أن يكون الغذاء حلالا طيبا، ومن حيث الكمية ينبغي الاعتدال وعدم الإسراف.. ومع أن هناك إشارات في القرآن الكريم إلى بعض الأغذية المهمة لصحة الإنسان، مثل العسل في قوله تعالى: « يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ»، والتمر في قوله تعالى: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا»، إلا أن القيد الأهم في هذا الجانب هو أن يكون الطعام أو الشراب حلالا طيبا، فما كان حلالا طيبا لا بد أن يكون نافعا مفيدا؛ لأن الله عز وجل لم يحرم إلا ما كان ضارا.
2: اتباع المنهج الغذائي الصحي:
تمكن العلماء وخبراء التغذية من تقرير عدد من التوصيات حول كمية ما يحتاجه الإنسان من عناصر غذائية أساسية، كما أمكن تحديد الحدود الدنيا من هذه العناصر.
ومن أبرز هذه التوصيات ما صدر عن منظمتي الأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة الصحة العالمية؛ حيث أوصت بأن احتياجات الحد الأدنى من السعرات الحرارية يوميا 2200، على أن تساهم المصادر الحيوانية بـ12% منها، وأن احتياجات الرجل ذي النشاط المتوسط 3000 كيلوسعر، كما أن احتياجات الحد الأدنى من البروتين 50 جراما، على أن تساهم المصادر الحيوانية بـ25% منها.إن هذه التوصيات توضح أن ما يحتاجه الإنسان من طعام وشراب هو قليل جدا مقارنة بما يتناوله، ولا شك أن هذه الزيادات المتراكمة هي السبب الأساسي في انتشار الكثير من الأمراض المرافقة للسمنة.
لقد وضع الإسلام قواعد صحية رائدة للمحافظة على صحة الجسم والروح، من خلال تحديد أسلوب الحياة وشكل الغذاء الصحي، ومنها:
أن التزام الفرد المسلم بالصوم لمدة شهر في العام إضافة إلى صيام التطوع له أثر هام في المحافظة على صحة جسمه وعقله وروحه.
أن القاعدة التي أرساها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» تعتبر مبدأ طبيا هاما في العصر الحديث، بل إن بعض مستشفيات ألمانيا اتخذت من الحديث المتقدم شعارا سطرته على أبوابها ومداخلها.
3- الاعتماد على النفس:
إن الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يتبعوا أنماط الاستهلاك الغربية البعيدة كلية عن العادات والتقاليد الإسلامية.
لقد نص معظم فقهاء المسلمين على ضرورة أن يقوم المسلمون بأنفسهم، واعتبروا تعلم كل ما هو نافع وضروري للمسلمين فرض كفاية، إذا لم يقم به البعض أصبح واجبا على الجميع.
إن الأمر يصبح خطيرا جدا عندما يعتمد المسلمون على غيرهم في كل شيء.. في استيراد لقمة الخبز والدواء والكساء وكافة المستلزمات الحياتية. وبدلا من ذلك لا بد من السعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وتحقيق التكامل الاقتصادي، وتفعيل السوق الإسلامية المشتركة.
4: زيادة التوعية بمخاطر السلع المستوردة:
ثبت من خلال الكثير من الدراسات والبحوث أن هناك مقاييس ومواصفات للسلع المصدرة لدول العالم الثالث لا تقبل بها الدول المتقدمة.. وهي أقل بكثير من المعايير والمواصفات المطبقة في الدول الغربية.. كما أن كثيرا من الأغذية لا تصلح للاستهلاك البشري.. ومن هنا يجب أن يتنبه المسلمون لهذه المخاطر.. ويعملوا على زيادة الوعي والتثقيف الصحي بخطورة استهلاك هذه الأغذية. على أي حال فهذه مجرد ملامح لعلاج الاستهلاك الشره.. وندعو كل من لديه تجربة تطبيقية أن يطرحها على العرب والمسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *