الأرشيف ملامح صبح

عطا الله ممدوح بين السهل الممتنع وتزاوج المعاني .. محاولة للسفر في : حديث أغراب (2-2)

قرأة – محمد مهاوش الظفيري :

[poem=font=\"Simplified Arabic,4,black,normal,normal\" bkcolor=\"\" bkimage=\"\" border=\"none,4,gray\" type=2 line=200% align=center use=ex length=0 char=\"\" num=\"0,black\" filter=\"\"]
بعض الهقـاوي مالهـا محـراب=حلـوه ولكـن غيـر مقبولـه
العذر لو يشفع لمن هـو غـاب=نوافـذ الشرهـات مقفـولـه
ياصاحبي صوتك حديث اغراب=ياقصـر همساتـه ويـا طولـه
مبحوح لكن يسـرق الألبـاب=بإحساسـه الصـادق ومدلولـه
طيّر من أغصان القصيد أسـراب=لـو كانـت الاحـلام مقتولـه
وانسج من خيوط السحاب ثياب=يشبهـك هتـانـه وهملـولـه
مادام عزمـك باقـي ٍ ماشـاب=الغـرس مايخذلـك محصـولـه
بس انت كافح وافعل الأسبـاب=يجيـك يـوم وتربـح الجولـه
يعني لاتحـزن والحيـاه كتـاب=لابد مـا تتعاقـب فصولـه..!!
[/poem]

من يقرأ هذه الأبيات، ثم يعيد النظر في عموم أبيات القصيدة يتخيل أن الشاعر يريد أن يرسم أوجاعه على طريقته ووفق مقاسه، ولا يتمنى أن تتكرر مرة أخرى مع سواه، يريد أن يعيشها وتتعايش معه، فهو هنا كمن يسير في طريق طويل وشاق لكنه غير ممل ومحرض على الاستمرار والتواصل في السير، وهو في هذه الحالة يريد أن يزاوج بين حالتين من المعاني، وهي حالة العتب والتوسل، وحالة التمسك بالذات والرغبة في الحفاظ على ما يملك من شموخ، وقد قدم هذه الثنائية التضادية من خلال اعتماده على نهج السهل الممتنع، وهذه الطريقة في الكتابة لا تبدو سهلة المنال ويسيرة الإمساك، لأنها حالة كتابية زئبقية، وذلك أنها بحاجة لموهبة شعرية حقيقية وقدرة شعرية فذة ومهارة في إمكانية السير بين المتناقضات دون عناء أو مشقة، لا يعمد إليها الشاعر عمدًا، بل هي موهبة إلهية يمنحها الخالق لمن يشاء من عباده ، فإن تعمدها زل وإن تركها ضل، فهي تأتي إلى الشاعر، ولا يأتي إليها، فالناظر في هذا الكلام يجد قدرة الشاعر في تطويع المفردات، وصفها في نسق تتابعي جميل خلق منها ما يعرف بالسهل الممتنع، والملفت في شعر الشاعر عطا الله ممدوح كما في هذا النص، بعده عن التصنع الشعري والتكلف في الكلام، والميل الواضح للعفوية التي جعلته يقع في بعض المطبات كقوله \" يشق نوره فـي ظلامـي نـاب \" التي أرى أن\" ناب \" لم تأتِ إلا من خلال عفوية الكلام لا إقحام المفردة، وهذه الحاله لم تشوه النص رغم حدوثها العَرَضي هنا، والتي لم تقلل من مسألة التزاوج بين المعاني، إذ أنها حدثت في الصياغة ولم تنسحب على المعنى، ولعل انغماس عطا الله ممدوح بمثل هذا النوع من الكتابة هو ما ميزه شعريًّا بين أقرانه الشعراء، وها نحن نلاحظه في نص شعري آخر، وهذا النص من السهل الممتنع أيضًا، إذ أنه يسير بين المتناتقضات، فلا هو بالتقريري ولا هو بالتصويري، أي يقف بين المجاز والكلام المباشر، وهذا النوع صعب رغم سهولته وسهل رغم صعوبته، لا يتوفر للشعراء في كل الأوقات، بما فيهم عطا الله ممدوح نفسه، لأنه ينبع من حالة أشبه ما تكون بالوارد كما عند المتصوفة أو الإلهام في عرف الشعراء00
صدري على زلـةالغاليـن متعـوّد
ياكم دفـن زلـةٍ ما بيـن طيّاتـه
بالصبر والعفـو والتقديـر متـزوّد
ولولا تغاضيه مادامـت علاقاتـه

من البيت الأول تبدو بجلاء لعبة الإيحاء ومهارة الشاعر في توظيف المجاز، حيث إنه لم يقل بأن قلبه بئر لا قرار له، يدفن كل شيء في داخله، ولم تتضح هذه الرؤية للمعنى إلا مع الكلمة الأخيرة في البيت، إذ أنه ترك الأنفاس محبوسة، والذهن أشبه ما تكون بالصحراء الممتدة على مرأى البصر، حيث لا شيء واضح فيها، ولا ملامح تحدد أبعادها، وهذا ما كان مع البيت الأول، وحقيقة أن \"صدري على زلـة الغاليـن متعـوّد… ياكم دفـن زلـةٍ \" لا يوجد فيه ما يلفت الانتباه، غير أن \" ما بيـن طيّاتـه\" حددت الفارق بين الشعر واللا شعر، وكأن الشاعر من حيث علم أو لم يعلم، لم يشأ أن يوتر الذهن والأعصاب إلا من مع \" ما بين طياته \" التي لملمت شتات المشاعرة ووضعتها على دروب الشعر وفي ركاب الشعراء. ثم يقوم بتوضيح هذه الأمور التي دفعته للتحمل، وهي \" الصبر والعفو والتقدير \"، ومن يتأمل هذه المكونات يجد أنها في الوقت الذي تتداخل فيه، إلا أنها متباعدة عن بعضها البعض، وفي عودة للأبيات المعتمدة في هذه الدراسة نجد أن الشاعر قريب لدرجة البعد، وبعيد لدرجة القرب، فلا هو الأول ولا هو الآخر، بل هو الإثنان معًا على نفس المستوى وعلى خط واحد، وقد نلمس التزاوج بين المعاني أيضًا بين الحكمة والشعر، فلا هو بالشاعر المحض ولا هو بالحكيم الواعظ، إذ أخذ من كل طرف ما يريد وعلى قدر ما يناسبه، لأنه لا يريد أن يشبهه أحد حتى في جروحه وآلامه، وهذ الأسلوب أرّق الشعراء وأتعبهم في كل العصوروالأزمنة,لا يمكن تعلمه.

الأرشيف ملامح صبح

عطا الله ممدوح بين السهل الممتنع وتزاوج المعاني .. محاولة للسفر في : حديث أغراب (1-2)

قراءة – محمد مهاوش الظفيري

توطئة :
في هذا النص تزاوج بديع بين المعاني التي تمت صياغتها بقالب شعري جميل، حيث امتزجت عنده الظروف الخارجية التي دفعته لقول هذه القصيدة بعالمه الشعري الداخلي الذي رسم لنا هذه اللوحة الفنية، التي نفذت من خلالها لروح المتلقي عن طريق تجاوز النص لتصل للعنصر الثالث في المسألة الشعرية وهو القاري المتلقي، وذلك لم يتأتَ له إلا من خلال تزاوج المعاني المتمرجحة بين صور كلاسيكية تقليدية في الغالب وبين تعابير رومانسية شفافة تسرق القلوب والمشاعر وتشد الانتباه لها، دون أن نلاحظ أي خلل بارز بين مسألة التناسق بين هذه التضادات الكلاسيكية / الرومانسية، والتي تمثلت بهذين التعبيرين على سبيل المثال \" جنـاح غـراب .. يـا سكـة الغيـاب \" إذا كانت الصورة الأولى صورة كلاسيكية، بينما العبارة الثانية تعبير رومانسي حديث وشفاف وعذب، هذا التزاوج بين المعاني لدى الشاعر هو ما دفعه في غالب هذا النص للتوصيف، أو لعل التوصيف هنا جاء كنتيجة حتمية لهذا التزاوج، وكأنه يريد الربط بين الصور الحسية الكلاسيكية والأخيلة التي حركها التعبير الرومانسي وجاءت متوافقة معه، والتي شكلت التنوع الفكري والانتقال السلس السهل بين هذه المكونات الفنية في النص دون أن نلمس الارباك والتشويش، ولعل هذه الحالة مردها عائدا إلى انتهاج الشاعر طريقة السهل الممتنع في كتاباته الشعرية كما لمستها في بعض نصوصه، ولا أكاد أجزم بإطلاق هذا الحكم بشكل عام لأنني لم أتفرغ لقراءة كل ما كتبه الشاعر، لهذا يعتبر الحكم قابلاً للتراجع عنه فيما بعد في حال اكتشاف رأي يدحض هذا القول، هذا النهج الذي يسير فيه الشاعر، وهو السهل الممتنع، سهّل عنده الجمع بين التناقضات، وأمكنه من مسألة الخلط بين المعنوي والحسي والصورة الخارجية والإحساس الداخلية التي بلورتها التعابير اللغوية عنده.
القراءة :
الليلة المنفـى جنـاح غـراب
والحزن يسرجني علـى خيولـه
الضيقة أحيانا بـدون اسبـاب
تاخذ بصدري صولـة وجولـة

الليل مفتاح الأسرار وكهف الشعراء العاشقين والمتأملين، وفي ليل الشاعر كانت الحياة ظلمات بعضها فوق بعض، انطلق من المنفى الذي شتت أفكار الشاعر، التي أوصلته لوصف الليل \" جناح غراب \" كدلالة على مدة البؤس والظلام الدامس والشعور بالنحس، وصولا ً إلى الحزن الذي انطلق به في متاهات النفي والتشرد، لهذا جاءت بكل هذا الحضور، وهو ما حاول الشاعر إيضاحه من خلال البيت الثاني بأنه في حالة تجاذب مستمر مع \" الضيقة \" التي تأتيه \" بدون أسباب \" وتجتاح نفسه، وكأنه يريد إيصال مفهومه حول الحزن و\"الضيقة\" بأن حالة النفي والتشرد دائمة الحضور بالنسبة له، أما في هذا الوضع، فقد كانت الحالة متراكمة وثقيلة.

طال السفر يـا سكـة الغيـاب
ماعـادت الأريـاق مبلـولـة
ليل الشتاء قاسي وصبـري ذاب
كـن الثوانـي فيـه مشلولـة

كأنه هنا يطلق العنان لمشاعره أن تسافر، وذلك من خلال \" طال السفر يا سكة الغياب \" لكن الشتاء يحكم على هذه الحالة بالتوقف، بما في هذا الشتاء من قسوة وبرد يشير بالموت، وهو ما أشار إليه الشاعر \" وصبري ذاب \" أي انكمش وفي طريقه للتلاشي أمام مرارة الطريق وقسوة الشتاء التي جعلت الزمن \" الثواني \" مشلول وبلا حركة، وذلك أن قسوة الشتاء لم تؤثر على عواطفه فقط، بل انسحب تأثيرها على الزمن، ولعله يريد القول بأنه لم يعد يشعر بالزمن أو كأنه يعيش في معزل عن الزمن، فلا الزمن ينتمي إليه، ولا هو يشعر بوجود الزمن، وهذه فرضية غير ممكنة، لكن خيال الشاعر وعواطفه حوّلت اللا ممكن ممكنًا هنا,.
سمّرت نظراتـي بثقـب البـاب
يمكن يلـوح الحلـم وآطولـه
يشق نوره فـي ظلامـي نـاب
وابني بصـدري للأمـل دولـة

لهذا يميل للتأمل والتمني، التأمل من خلال البيت الأول والتمني عن طريق الجنوح للأماني، وهو في كلا الأمرين يحلم، وذلك أن الحلم دفعه للتأمل وسكب فيه نشوة التمني . إن الشعور بالتشظي الداخلي كما مر معنا سابقًا دفه لركوب الأماني والأحلام، التي تعتبر أجنحة العاجز وسفينة المهزوم، وهذا ما حصل للشاعر في هذا السياق ، حيث أن أحلامه تراكمية توالدية، إذ انطلقت من وراء \" يمكن \" غير الجازمة \" يمكن يلوح الحلم وأطوله \" ثم قوله \" يشق نوره \"، فالتخيل هنا جعل المعاني تتزاوج رغم هذا الشعور والتصوير المتوالد، فالحلم لم يلح للشاعر، وعليه لا يمكن أن \" يطوله \" أي يناله \"، وما دام أنه لم يكن، ورغم عدم إمكانية حصوله، يقول \" يشق نوره \"، وكأنه حاصل أمامه، وهذا عائد إلى تراكم الصور الحسية والذهنية لديه التي منحته مرونة التزاوج بين المعاني، وجعلته ينتقل بيسر وسهولة بين المشاهد الشعرية دون تشويش.