المنبر

عتاب اليائسين وسيلة التأكد من بقاء الحب!

كتبه : فهد فاتك
يملك الإنسان من العاطفة ما يكفي لإلغاء وجوده، في اللحظة التي يشعر فيها أن عاطفته هي من تجعله يستمر في البقاء.
يحب، هذا الحب يفتح له أبوابا عديدة، يجعله يتخلى عن عقلانيته لأجل أن يعيش بعيدا عن الواقع، يريد أن يستسلم لخياله، لإنسانيته بوجه أدق!
قد لا يكون الواقع إنسانيا إلى حد ما.
ولأنه كذلك، إنساني برتبة ضمير، ينمو لديه حس العتاب والذي يعد نظام الحب العسكري، وهو نظام تنبيه لا يجبر الآخر على فعل شيء ما، وإنما يدخل إلى عمقه ويخبره أن ثمة جرح حدث، أنت لا تحس بألمي، هذا هو حجم ألمي، (عندما أعاتبك) أنا أريد أن أشعرك بألمي، بالطبع لا أريد منك أن تتألم، ولكن أريد منك أن تشعر بي عندما أتألم !
العتاب وسيلة مجدية لكل قلب يجعل من الحب استحقاقا لا رغبة ولا شيئا اعتياديا، فهو يذكر الآخر بإنسانيته التي يفقدها أو يتناساها من إنسانية الحب.
قد يتكرر العتاب، ولكن قد يشعر المُعاتِب بالحرج من كثرة عتابه لمن يحب، فينمو في داخله حس الازعاج، فيكتم عتابه، عندما لا يجد أن عتابه يصنع حلا.
عندما يكون المُعاتب يتعامل مع موضوعك مثل الاعتذار لا أكثر، مثل الاعتماد على الأسف في الوقت الذي يجد عذره وأسفه وسيلة للتخلص من العتاب وليس لحله أو إخماده.
هنا يبدأ الجرح يكبر، لأن الجرح لا يشعر بشدة ألمه غير صاحبه، حتى أولئك الذين كانوا يتألمون من جراح الآخرين لم يعد لهم وجود، حتى أولئك الذين يحبون ويبكون لم يعد يبكون عندما يجرحون غيرهم لأنهم وجدوا العذر والأسف كمنديل يمسح نزيف ذنوبهم وينتهي كل شيء.
بعد أن كان العتاب رسالة تنبيه بينهم أصبح محاولة يائسة من طرف واحد لطرف لا يشعر بأي شيء، يشعر فقط بأن الاعتذار هو حله الوحيد ولا يفكر فيما صنعه من ألم ..
ولذلك لم يعد هناك شيء يسمى عتاب المحبين، لعل طبيعة العصر خلقت من ذلك العتاب عتابا خداجا / عتاب اليائسين.
لكن الذي لم يتغير بعد / أولئك الذين يحبون وييأسون ويعاتبون مع يأسهم ولا يكتفون من حبهم – فهؤلاء لم يسبقهم أحد في فضل الحب وتحمل عذابه ومواصلة عتابه!
فلم يعد هناك من شيء يعاتب أولئك الذين يؤمنون بأن كلمات (آسف / سامح / أعتذر) هي ضمادات تكفي علاج كل الجروح التي خلقوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *