طهران ــ وكالات
دخلت الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية على إيران حيز التنفيذ، بعد أن أثبتت طهران عدم التزامها ببنود الاتفاق النووي المبرم عام 2015، فضلا عن سياساتها التخريبية تجاه منطقة الشرق الأوسط.
وتهدف العقوبات الأميركية التي دخلت حيز التنفيذ، امس “الاثنين”، إلى إصابة قلب النظام الإيراني الاقتصادي (صادرات النفط).وسيتم حظر جميع الأعمال التجارية مع شركات النفط الإيرانية، إذ تبدو الولايات المتحدة عازمة على إيصال صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، علما بأن مبيعات النفط تمثل نحو 80% من إجمالي الدخل القومي في إيران.
كما سيتم تشديد العقوبات الحالية على القطاع المالي الإيراني ، وسيتم حظر جميع المعاملات المالية مع البنك المركزي الإيراني وعدد من البنوك الأخرى.
والقرار الأميركي يعني منع كل الدول أو الكيانات أو الشركات الأجنبية، باستثناءات بسيطة، من دخول الأسواق الأميركية، في حال قررت المضي قدما بشراء النفط الإيراني أو مواصلة التعامل مع المصارف الإيرانية.
وكانت الولايات المتحدة قد أعطت شركاءها مهلة زمنية لإنهاء العمل مع إيران، بعد انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو الماضي، وجاء الموعد النهائي لأول 60 يوم في 6 أغسطس، عند هذه النقطة تم منع إيران من التداول بالدولار الأميركي، كما تم فرض عقوبات على الصناعات الإيرانية الرئيسية مثل قطاع السيارات وإنتاج السجاد.
كما حظرت الولايات المتحدة تماما بيع الطائرات التجارية أو قطع غيارها إلى إيران،وفقا لإدارة ترامب، فإن العقوبات تمثل “أقصى ضغط” على طهران، لإجبار القادة الإيرانيين على “تغيير المسار”.
في 21 مايو الماضي، قدم وزير الخارجية مايك بومبيو قائمة من 12 طلبا قالت الولايات المتحدة إنه يجب الوفاء بها مقابل رفع العقوبات، من بينها وقف طهران برنامجها الصاروخي، وإنهاء دعم الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، قال بومبيو إن “على إيران سحب جميع القوات العاملة تحت قيادتها من سوريا، وتسريح الميليشيات الشيعية في العراق”.
ولا يعد تغيير النظام من بين الأهداف المعلنة للعقوبات الأميركية، ومع ذلك فإن التصريحات العامة الصادرة عن مستشار الأمن القومي جون بولتون تشير إلى أن ذلك سيكونان موضع ترحيب من واشنطن.
ويبدو الريال الإيراني في حالة أشبه بالسقوط الحر منذ أشهر، إذ فقد 70 بالمئة من قيمته هذا العام، مع ارتفاع غير مسبوق للتضخم.
ومنذ يونيو الماضي، انخفضت صادرات النفط الإيرانية بنحو الثلث، كما ترتبط تكاليف الطاقة المرتفعة بمستوى معيشة السكان، وكان ذلك وراء خروج مظاهرات حاشدة في مناطق إيرانية عدة على مدار العام الماضي.
واضطرت العديد من الشركات العالمية إلى الخروج من إيران منذ شهر مايو، من بينها شركات أوروبية تخشى أن يتم إقصاؤها عن السوق الأميركية، الأكثر ربحا، في حال بقائها في طهران.
كما تمت إعاقة الواردات إلى إيران بشكل كبير في جميع المجالات، فالأدوية المهمة على سبيل المثال يصعب العثور عليها، وهي مكلفة للغاية في حال وجدت.
فيما خلصت عدة تقارير ودراسات بشأن العقوبات الأمريكية على طهران إلى أنها ستكون الأكثر تأثيرا إلى حد توقع انهيار نظام ولاية الفقيه، رغم كونها ليست الأكثر قسوة.
وقال تقرير لـ”المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية” إنه “تبدو للوهلة الأولى أن نسبة العقوبات التي طبقها المجتمع الدولي على إيران في الفترة ما بعد 1979 وحتى ما قبل توقيع الاتفاق النووي كانت أكبر بكثير، ووقعها أكبر من الحزمة الأولى التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عقب الانسحاب الأمريكي الشهير من الاتفاق النووي”.
وأضاف أن الحزمة الثانية المتعلقة بالنفط، والتي قد تؤدي، طبقًا للتقديرات الاقتصادية، إلى أزمة طاحنة قد يعاني منها النظام، بمعنى أن النظام الإيراني الحالي يعيش أزمة وجود تتعلق ببقائه.
وتستند غالبية التقارير المتعلقة بالأثر القاتل للعقوبات الجديدة على نظام طهران إلى طبيعة الأزمة الداخلية الطاحنة التي تعاني منها إيران، والتي تسببت في موجة من الاحتجاجات غير المسبوقة، رغم الانفراجة الاقتصادية التي أعقبت توقيع الاتفاق النووي.
كما تأخذ التقارير ودراسات الحالة بعين الاعتبار في المقام الثاني الحزم الذي يبديه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الخطر الاستراتيجي الذي يمثله إطلاق يد إيران في الشرق الأوسط والنوايا التوسعية للنظام الإرهابي.
وتاريخيا، أجبرت العقوبات الأمريكية على إيران ما قبل توقيع الاتفاق النووي على الجلوس على طاولة المفاوضات، وإكراهها على التخلي عن برامجها النووية، وإن على نحو غير مرض، ما يجعل سياسة ترامب أداة ناجحة وناجعة تم تجريبها لإثناء طهران عن سياساتها التخريبية في الشرق الأوسط.
ويأمل البيت الأبيض على الأرجح في أن تدفع الحزمة الجديدة من العقوبات إعادة إيران مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات ومناقشة اتفاق تكميلي يتعلق بتعديل البنود المعيبة في الاتفاق النووي المبرم في 14 يوليو 2015، وإلزام إيران بوقف برنامجها الصاروخي الباليستي.
ورأى خبراء أن الجولة الثانية من العقوبات الأميركية، وهي الأشد، وسوف تزيل اقتصاد إيران المتهالك أصلاً من خارطة العالم.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الإيراني، جمشيد أسدي، إن هذه العقوبات ستؤدي بلا شك إلى عواقب وخيمة على اقتصاد نظام ولاية الفقيه، لكنها لن تكون السبب وراء انهيار الاقتصاد الإيراني بل ستكون “سبباً إضافياً”.
وعلل أسدي قوله، خلال مقال له بموقع إذاعة “فردا” التي تبث بالفارسية من براغ، إن “الاقتصاد متدهور أصلاً بسبب مبدأ التمييز بين المواطنين في الشؤون الاقتصادية والمحسوبيات والامتيازات الخاصة وعدم وجود الإبداع والتطور والديناميكية حيث أصبح متآكلاً بشكل متزايد”.
وبحسب الخبير الإيراني، فإن نظام ولاية الفقيه باعتماده شعارات “الاكتفاء الذاتي الأيديولوجي” و”الاقتصاد المقاوم” وفي ظل التوتر مع الدول الأخرى، يعيش في عزلة وخسر الاستثمارات الخارجية بشكل كامل.
كما أضاف أنه قبل أن يتم فرض عقوبات دولية على إيران سواء في عهد رئاسة أحمدي نجاد أو حسن روحاني، كان الاقتصاد الإيراني يتجه نحو الانهيار بسبب الفساد والاستحواذ على الشركات النشطة والمحسوبيات والسلوك العدواني مع المجتمع الدولي.
كذلك رأى أن الطغمة الحاكمة قامت بتوزيع الموارد وثروات البلاد على شكل غنائم على أتباعها وأنهت فرص الإبداع والتطور الاقتصادي.
بدوره قال الباحث في الشؤون الإيرانية، عبد الرحمن الحيدري، لـ”سكاي نيوز عربية”: “العقوبات الجديدة ستدمر النظام الإيراني، كونها تستهدف شريانا أساسيا، وبالتالي، فإنها ستؤجج احتجاجات المواطنين العاديين الذين وجدوا أنفسهم بين سندان النظام الإيراني ومطرقة العقوبات الأميركية”.
ويعاني أبناء الشعب الإيراني من معيشة صعبة، إذ يواجهون ارتفاعا كبيرا جدا في أسعار المواد الأساسية، مع انخفاض رواتبهم، وعدم تلقيهم لها في كثير من الأحيان.
وأوضح الحيدري مدى صعوبة الحياة في إيران في ظل ارتفاع الأسعار، قائلا: “بعد فرض الحزمة الأولية عقب خروج واشنطن من الاتفاق النووي، ارتفعت أسعار المواد الأساسية 70 في المائة، ووصلت في بعض المنتجات إلى 100 في المائة”، مشيرا إلى أن أسعار الطماطم، ومعجون الطماطم، قفزت في فترة سابقة إلى أكثر من 100 في المائة.
كما أشار إلى أن تذبذب الأسعار أصبح مصدر إحباط للمواطنين، إذ لم تعد الأسعار تتقلب من يوم أو شهر إلى آخر، وإنما أصبحت تختلف من ساعة إلى أخرى في كثير من الأحيان، فأسعار بعض المنتجات صباحا تختلف عن تلك المعروضة مساء.
ولا يقتصر الأمر بالنسبة للطعام، فالحصول على الدواء أصبح أيضا من الأمور التي تؤرق الإيرانيين، فهناك شح في الأدوية، كما أن الكثير منها، خاصة تلك التي تعالج أمراضا خطيرة مثل السرطان، ليست متوفرة إلا في السوق السوداء بأسعار مرتفعة جدا، لا يقوى عليها المواطن العادي.
ومع ارتفاع الأسعار وتضييق النظام الخناق على أبناء الشعب، أوضح الحيدري أن الفترة المقبلة لابد أن تشهد احتجاجات متأججة.
وقال: “تعاني الكثير من المدن الإيرانية من الإهمال والبطالة والغلاء ونقص الحقوق، وهي أمور ستتضاعف بعد فرض العقوبات”، لافتا إلى أن هناك احتجاجات تخرج بالفعل بشكل يومي في بعض المدن، مثل الأحواز التي يخرج فيها عمال الفولاذ بالإضافة إلى عمال البلديات، الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر.
وتابع: “من المؤكد أن احتجاجات ستخرج في مدن مثل العاصمة طهران، التي تشهد حراكا اجتماعيا قويا، وأصفهان ومشهد، التي انطلقت منها الاحتجاجات الكبيرة عام 2017”.
واعتبر الحيدري أن “التعويل الأكبر يقع على عاتق المدن غير الفارسية، مثل الأحواز، وسنندج في كردستان إيران، وزاهدان مركز بلوشستان”، قائلا: “الاحتجاجات في هذه المدن هي خليط من المطالب الاقتصادية والقومية، فهي بحاجة لتحسينات اقتصادية كبرى، بالإضافة إلى مطالبة أبنائها بأبسط حقوقهم التي سلبهم إياها النظام الإيراني”.
وشدد الباحث في الشأن الإيراني على أن “أهم عامل يضمن تحقيق تلك المطالبات هو استمرارية المظاهرات، وليس انطلاقها فقط”.
وأضاف: “إذا استمرت المظاهرات والحراك الاجتماعي والمدني، سيضطر النظام لإعادة حساباته، وقد تؤدي بالفعل لتغيير النظام، لكنها تحتاج للدعم المعنوي واللوجستي والإعلامي، خاصة من المجتمع الدولي”.
طهران في عين العاصفة .. مواجهة الملالي تدخل نقطة اللاعودة
