الأرشيف الثقافيـة

طليقي والبحر متشابهان

سامي حسون

لا تذكر متى قالت لطليقها سترحل….. قال طليقها إلى أين ؟ قالت لا أعرف سأسلم أمري للجهات الأربعة، فأعطاها يومها صندوق مجوهراتها وتعويذة لا تزال معها حتى اليوم، تعويذة لم تجرؤ على قراءة ما فيها….. قال أنها بقلم رجل متدين،مات وهو في سجود صلاته.. وأنها آخر ما كتبه من تعويذات للنساء المطلقات، و أعطاها رسالة منه لكل النساء الحائرات في أقفاصهن وقال لن يرفض لك طلب، لكنها لم تستخدمها حتى الآن، أتعرفون لماذا… لأنها بخير.
نعم..هي بخير ما دامت تصحح طريقها للحياة من جديد..وتنسى أسماء صديقات كانوا بالأمس يحملن وفاء الصداقة..وترفض شكل الأمكنة..ولون عيون حبيبها الطليق..
نعم..هي بخير ما دامت ترفض تصديق كل شعارات واتهامات هذا المجتمع في المرأة المطلقة..وتضغط على مخارج الحروف بكل عنف..أكيد أنا بخير وألف خير..
هكذا كتبت على طرف ورقة صغيرة صفراء فاقعة اللون..بينما كانت تطل على بحر المدينة، على الملح ، وعلى شاطئ يلتف كخديعة الرجل الذي نقض عهده بعد اشهر من زواجه ، قالت لنفسها كم هي المسافة ضيقة وكم أنا عاجزة عن اختراقها، كم الملامح واضحة وكم أنا عاجزة عن تحديدها، لا فرق أن أكون أنثى هنا أو هناك، فكل الأمكنة باتت متوائمة وكل الاتجاهات أصبحت متشابهة والبحر وحده الذي لا يخجل من شكله، من زرقته ومن غدره وأسماكه..بعث أيضا لطليقي بان ينفذ وصاياه في خيانة وخداع .فلماذا الاستفاقة بعد ذلك، هكذا هي تستسلم لخدر غريب، وشعور يشبه التدلي عن حبل غسيل، تتأمل فيما لا يستحق تأمله، وأمام المرآة التي عكست وجهها المتعب، قالت : لا تخافوا أيها المطلقات، مازلت أحبكم جميعاً، مازلت مسكونة بكم، وحدي من سيروي لكم تفاصيل قصة الحب التي جمعت بين الحوت العجوز والزرافة الشابة طويلة القامة، قالت ذلك وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة وقتها كانت نفسها الأمارة بالسوء تشرب شايها على شرفة البحر، بعد أن استحمت بماء نظيف، وقرأت قصيدة لنزار في حبها الخادع قبل أن تمشط شعرها وتسكب الكحل في عينيها وتجري عملية تجميل لأنفها الكبير كمنارة من زمن البرابرة.
كما تجيب هذا أفضل ما افعله في حياتي، أذهب إلى السرير واترك كل شيء على حاله، أحاول أن أنام بعمق، كي ادخل سريري بملحي وأنفاسي وملابسي الفضفاضة.. وهذا ما فعلته، ليكون نومها عميقاً كالموت، أو كالرحلة في نفق مظلم لا نهاية له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *