خالد أبوعرفة
أمر مثير للوهلة الأولى، أنْ نرى «الشرق الأوسط» وهو ينحو باتجاه معاكس لما خطط له دهاقنة «المحافظين الجدد»، وسهرت من أجله مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية، وما تبع ذلك من نفقات مهولة وحروب كارثية، لقد كانت الدبلوماسية الأمريكية من الثقة بمكان، ومن خلفها نصيرتها الأوروبية، أنْ وعدت العرب والمسلمين في عشرات المناسبات ، أو هددتهم، ب»شرق أوسط جديد»، واشتهرت هذه الوعود على ألسنة «دينيس روس» و»مادلين أولبرايت» و»كونداليزا رايس»، إضافة إلى أقوال وتصريحات رؤسائهم، شرق أوسط – حسب زعمهم ووعودهم – قائم على أنظمة ديمقراطية تؤمن بالتعدد الحزبي والتداول السلمي للسلطات، إضافة إلى الحرية والعدل والمساواة والنماء الإقتصادي.ولكن المفاجئ في الأمر، أنْ تذهب تلك الجهود الأمرأوروبية الجبارة أدراج الرياح، مع أول ربيع عربي إسلامي، وتطير مع هذه الجهود الأموال التي لا تحصى، وتضيع أهداف الحروب التي اصطنعت سدى، والتي كلفت الولايات المتحدة وحدها إضافة إلى الأزمة المالية، ديوناً بلغت 15 تريليون دولاراً، وتسببت لها ولأول مرة في تاريخها مصيراً هو أقرب إلى حافة الإنهيار، أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإنه موعود بمصير مشابه لصديقه اللدود الأمريكي، نتيجة تفاقم الأزمة المالية بشكل يخرج عن السيطرة . أمر مثير كذلك، أنْ يقف الكيان الصهيوني إزاء هذه الأحداث الربيعية المدوية، موقف الواثق من نفسه ودون أنْ ترجف له جفن، برغم أنها تجري حوله وتلتف حول عنقه، بل ويقوم الكيان بإخراج العديد من الملفات المؤجلة من الأدراج ويشرع في تنفيذها، وتستوي عند الكيان ملفات تهويد المدينة المقدسة، فيوشك عن الإعلان عنها عاصمة ليهود العالم أينما حلوا، أو ضرب العمق السوداني أو التصعيد ضد تركيا، أو التجهيز لضرب إيران، بينما وللمفارقة، لم تكن إسرائيل أقرب إلى استنفاد أسباب وجودها من هذه الأيام التي تقضيها، حتى قال بعض زعمائها «أنّ أعدى أعداء إسرائيل اليوم هو نفسها»، و»إنّ جماعات المستوطنين والأصولية اليهودية التي تنتهج أسلوب الإرهاب ضد الفلسطينيين سوف تتجه قريباً بإرهابها نحو المجتمع الإسرائيلي، وأنها، أي الأصولية اليهودية، أخطر على إسرائيل من القنبلة النووية الإيرانية». ويبدو أنّ ما تقوم به إسرائيل من استعراض للعضلات في وجه خصومها هذه الأيام هو من سبيل تخويفهم من قوة وهمية لطالما تغنت بتفوقها وجبروتها، متغافلة نصائح محبيها وأنصارها، من الساسة والدبلوماسيين وكبار الصحفيين، بضرورة التعقل والقبول بتسوية سياسية عاجلة مع الفلسطينيين وسلوك نهج التصالح مع جيرانها، ومتجاهلة لنصائح العشرات من جنرالات الأمن وقادة أجهزة الموساد والشاباك. وقد أشارت إلى هذا صحيفة «نيويورك تايمز» ، حيث كتبت أنّ «إسرائيل تواجه هذه الأيام أكبر عملية تآكل لبيئتها الاستراتيجية منذ تأسيسها».ومن المفارقة، أنّ «العدو، الفزاعة» الذي ظلت المنظومات السياسية الدولية المتعاقبة ولأكثر من ستين عاماً، تخوف منه إذا أقبلت أو تخوف به إذ أدبرت، كان محصوراً في الإسلام السياسي بشكل عام، وبجماعات الإخوان المسلمين بشكل خاص، حتى صار في حكم المفروغ منه، أنّه لن تقوم لهذا الإسلام، وتحديداً للإخوان المسلمين قائمة أبداً، بسبب ما تلقوه وعبر عشرات السنوات من التشويه لصورتهم ومن السحق لمؤسساتهم، ومن التعذيب والموت لقاداتهم وأبنائهم، إلا أنه وعلى العكس من ذلك، فقد كان للإخوان، وفي ميادين الثورات تحديداً، الدور الأبرز في المشاركة في إيقاف دوامة الفساد والهوان الحاصلة في أنظمة العرب والمسلمين، ليس ذلك فقط، وإنما أعطى المراقبون «الإخوان المسلمين» شهادة بأنهم الأكثر تنظيماً واقتداراً، فيما يخص ضبط الإيقاع الحساس، فيما بين الثورة السلمية ومنعها من الإستدراج لملعب الثورة المضادة، وبين العمل على حماية النسيج العام للمجتمع وتغليب مدنية الدولة على طائفيتها، أو انزلاقها نحو التمزق أو الحروب الأهلية.وبرغم أنّ الإخوان المسلمين يكادون يكونون أبرز ما في الحدث السياسي الثوري عبر المشهد العربي الإسلامي، وبرغم أنّ التاريخ، وبحسب ما يزعم بعض المؤرخين المعاصرين، قد يذكر هذه الحقبة من تاريخ العرب والمسلمين، والتي قد تمتد لعشرات أو مئات السنين ب «العصر الإخواني»، على غرار «العصر الأيوبي» أو «العصر السلجوقي»، نسبة إلى (أبرز الحركات) الفاعلة وقتئذ، فإنه من الواجب على الجميع أنْ يبذل أقصى الجهد في تقديم الإسلام الحنيف الصافي للأمة جمعاء وللبشرية كافة. هذه المفارقات وسواها الكثير تنبئ عن أحداث تاريخية كبرى ما زالت في أولها، ومعظم النار من مستصغر الشرر، والمراقب لمجمل الأحداث يرى أنها لا تقتصر على الشرق العربي فقط ، وإنما تسري متخللة الدول والحضارات من أقصى الشرق إلى أقاصي الغرب، وأنا أزعم أنّ بداية الأحداث انطلقت مع أول حجر ألقى به طفل فلسطيني في وجه الاحتلال الإسرائيلي عام 1987، فيما سمي بالإنتفاضة المباركة الأولى، فكان ذلك إرهاصاً ببدء الثورات السلمية.
