المنبر

شأنك عجيب أيها الإنسان

رأيتُ شأنك عجيباً، أيها الإنسان، في أيِّ مكان، وفي كلِّ زمان. فهل رأيتَ كما رأيت؟
هل جلست -أو وقفت- يوماً، متأمّلاً شأن هذا المخلوق العظيم، الذي يُدعى الإنسان؟
ألم يلفت نظرك وفكرك ما في هذا المخلوق من عجائب وأسرار؟
ألم تصل في آخر المطاف إلى أنّ ثمة أسراراً وخبايا، في خلق هذا الإنسان، لم تكتشف بعد، وأنه لا زال “الإنسان ذلك المجهول”
فكم بحث الأطباء وعلماء الأحياء، منذ زمن بعيد وإلى الآن، في جسم هذا الإنسان، ولا يزالون يكتشفون المزيد. وكم بحث الفلاسفة وعلماء التربية وعلماء النفس، في نفس هذا الإنسان، ولا يزالون يكتشفون المزيد المزيد.
ألم يستقر في ذهنك أنَّ هذا المخلوقَ مخلوقٌ لمَهَمَّة عُظمى، وغاية كُبرى، في هذه الحياة الدنيا؟
هذه التساؤلات، وأشباهها، سيجيبك عنها هذا المقال، بحسب ما يراه كاتبه، بعد طول تأمّل في شأن هذا الإنسان وخصائصه وأسراره.
منذ سنوات طويلة، وأنا أتساءل: لماذا يبدو الإنسان متناقضاً ومتفاوتاً إلى درجة كبيرة، في صفاته وأحواله، وفي أقواله وأفعاله، في أكثر الأحيان!
فتراه صغيراً وتراه كبيراً، وتراه ضخماً وتراه حقيراً، وحيناً تراه قوياً وحيناً تراه ضعيفاً، وتراه حيناً شجاعاً وحيناً تراه جباناً، ويبدو مرة عليماً فهيماً، ومرة يبدو جهولاً بهيماً، ويظهر لك تارة لطيفاً وتارة عنيفاً، وساعة ليناً متواضعاً، وساعة “جباراً شقياً”، وتراه حيناً في أحسن حال، فتقول: ما أغناه!، وتراه حيناً في أبأس حال، فتقول: ما أفقره!
ويفرح ويضحك، حتى تقول: إنه لم يعرف معنى الحزن من قبل، ويحزن ويكتئب، حتى تقول: إنه لم يعرف معنى السرور يوماً. وهكذا سائر المعاني المتضادة في نفسه.
أتريدني أيها القارئ الكريم، أن أشرح ما أوجزته لك في تساؤلاتي، وأعتقد أنها تساؤلاتك أيضاً؛ لأنها من طبيعة العقلاء.
لقد شاهدتُ وقرأت وسمعت، من أحوال هذا الإنسان المتضادة المتباينة، شيئاً كثيراً، وكمّاً كبيراً، كما شاهد كثيرون غيري، وقرؤوا وسمعوا ، فلست متفرّداً في هذا.
ومن ذلك: أني تأمّلت حال الوليد الجديد، وهو من الضعف بحيث تستطيع الهرة الكبيرة أن تجرّه إلى مخبئها، لولا عنايةُ الله بحفظه، ورعايةُ الأم وحرصُها.
وأعلم –وتعلم- أين كان هذا الوليد، وكيف كان حاله قبل الولادة، وأكثر من ذلك نعلم أصله ومنشأه، من نطفة، من ماء مهين، من حيوان منويّ، لا يُرى بالعين المجردة، فهل هناك ما هو أضعف منه!
وأكثر مَن يرقب هذا، ويلحظه، أبوه وأمه، ومَن حوله؛ لأنهم شاهدوا جميع مراحله.
ثم يكبر هذا الوليد، ويكبر، وتزداد قوته يوماً بعد يوم، حتى يصبح فتىً شاباً، قد اشتد عوده، وتضخّمت عضلاته، فصار يقول للأرض: (اشتدّي ما حدا قدّي) ، حتى إن الشابّ ليرى نفسه –في غالب الأحيان- فوق أبيه، الذي بذره، قوة وعلماً ودقة تفكير، وترى الفتاة نفسها فوق أمّها التي فَقَسَتْها، فهماً وإدراكاً وحسن تدبير.
فتأمّل معي، كم كان صغيراً، وكم أصبح كبيراً، حين تقسم كتلة الشاب البالغ على كتلة النطفة. وكم كان ضعيفاً، وكم أصبح قوياً حين تنسب قوة البالغ –أو البالغة- إلى قوة البويضة الملقّحة.
ويخرج الجنين من بطن أمه لا يعلم شيئاً، أيّ شيء، وإنْ كان يحمل في مورّثاته قابلية التعلّم، ولديه من الأحاسيس الفطرية، ما يضمن له استمرار بقائه، كميله إلى التقام ثدي أمه ليغتذي به، وغمض عينه إذا اتجه إليها ما يؤذيها، وقبض يده على ما يوضع فيها، وغير ذلك.
ثم يتعلّم ويتعلّم، ويتفكّر ويبدع، ويبتكر ويخترع، حتى يحسب أنه لم يكن جاهلاً يوماً، وبعض الناس يتنكّر لمن علّموه وأدّبوه، فلا يرى لهم عليه فضلاً، حتى لو كان أباً أو أماً.
وإذا جالت خواطرنا في أرجاء المعمورة، رجعت إلينا بعجائب من جهل الناس، وعجائب من علمهم، وهم يعيشون في عصر واحد، وبينهم من وسائل التواصل ما بينهم؛ فنجد من عجائب جهلهم أنَّ ناساً يقدّسون البقر، وآخرون يقدّسون الفئران، وآخرون يرون في النظافة الجسدية بعداً عن ربهم، وفي القذارة غاية القرب منه.
ومن عجائب الجهل في بعض البلاد، كمجاهيل أفريقيّا، أنهم لا يعرفون من مظاهر الحضارة شيئاً، لا في مأكل ولا في ملبس ولا في مسكن ولا في طب أو علاج، ولا في غير ذلك، وهم يعيشون كما عاش أجداهم قبل مئات السنين.
ومن عجائب الناس فيما بلغوه من العلم والتقدّم، ما نراه ونعيشه، أو نشاهد ونسمع عنه في الشاشات الصغيرة، فقد بلغ العالمون من الناس من الإبداع والابتكار حداً يفوق الخيال.
انظر ماذا فعلوا على سطح الأرض من ألوان البنيان، ونوادر العمران، سواء القديم منها والحديث، فترى آثار القدامى، فتقول: من المحال أن يكون البشر قد أشادوا هذه المدن وتلك القلاع، وليس لديهم من الوسائل ما لدينا، فلا بد أنّ الجن شاركتهم في ذلك، والحقيقة أنه لا دخل للجنّ بها، وإن كانوا مسخّرين لسليمان عليه السلام، في أمور محدودة.
وترى ناطحات السحاب والأبراج الشامخة، في زماننا، والأنفاق في الجبال الراسية الضخمة، وتسمع عن الأنفاق الطويلة بين الدول أو المدن، في الشرق والغرب، في مياه البحار، فتقول: إنه شبيه بالسحر، والحقّ أنه ليس سحراً، وإنما علم وعمل.
وانظر إلى ما صنع الإنسان -الذي أعمل عقله وجد واجتهد- حين صنع الغوّاصات التي تبلغ أعماق البحار، وصنع الطائرات التي تجوب الأجواء، وصنع الأقمار التي تجوب الفضاء، وتلتقط أدق الصور، وتبث إلى الفضائياتِ وما فيها من العجائب، وصنع المركبات الفضائية التي تجوب في أقطار السماء، وقد حطت على عدد من الكواكب، وهي في طريقها إلى غيرها.
وها هي الكهربائيات والإلكترونيات بين يديك، وترى ما فيها من الأسرار والعجائب، حتى تكاد تظن أنّ عمل الإلكترونيات هو ما يعتقده الناس من فعل السحر أو الجنّ، وليس الأمر كذلك.
هذا الإنسان الذي بلغ ما بلغ من العلم والتطور، يعيش مع ذلك الإنسان الذي لا يكاد يعلم شيئاً، سوى الأكل والشرب والتغوّط والتناسل، كما هو حال سائر الدواب.
فهل تعجّبت مثلي من اجتماع المتناقضات على كوكب واحد، في زمن واحد، في مخلوق واحد، هو الإنسان؟ فما أعجب شأنك، أيها الإنسان!
•••••
ذاك مثال الجهل والعلم، وإليك مثال القوة والضعف، وقد سبق طرف الحديث عنه في مقدمة المقال، ولكن أزيده وضوحاً بما يأتي:
هل عاينت شخصاً في حالتين، في حال السلامة في الجسد والأعضاء والحواس، كيف يرى نفسه من القوة بأنه يستطيع أن يفعل كلَّ ما يريد؛ يبني ويهدم، ويكسر ويجبر، ويصبر ويقهر، ويحتمل الجوع والظمأ، ويجري ويسري، فيقطع البلاد طولاً وعرضاً، ويزرع ويصنع، ويعطي ويمنع، ويضر وينفع.
• الدكتور خالد الخالد
دكتوراه في الشريعة، اختصاص الفقه
الإسلامي وأصوله، كلية الشريعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *