بقلم: سهيل بن حسن قاضي
يثير (سن زرافة) أسئلة ما تزال خصبة وموضع إثارة دائمة لأنها تعالج قضايا المتغير الذي ما زال يتغير ويتطور ولم يحظ بالعناية البحثية الكافية من مثل:
سؤال الهوية، مثلث التنمية والتغير الاجتماعي المتداخل بالثقافي، الاتباع والتقليد والاجتهاد، النفط والفكر في منطقة الخليج العربي، مستقبل الثقافة العربية. ذلك وغيره من القضايا التي يتجاذبها صراع الأصالة والمعاصرة.
والكتاب من هذا المنظور يسجل ويناقش مذاهب أهل الفكر ومجتهدي الأمة فيما أثاره اتصال العرب بالحضارة الحديثة بدءاً من محمد إقبال ومالك بن نبي ومحمد عبده، مروراً بمرحلة المد الاشتراكي إلى عهد الانفتاح والعولمة هذا.. ويقف الباحث طويلاً عند سؤال الهوية في محاولة لتحديد معالم وخصوصية الذات الوطنية/ الشخصية السعودية ضمن الدائرة الإسلامية والعربية.
وكل هذه أمور شغلت ذهن باحثنا واشتغل بها زمناً طويلاً بحيث شكلت هماً ذاتياً استأثر بفكره وبكتاباته بل وحديثه وحواراته في المجالس والندوات. وله في ذلك قدرة عالية على حسن العرض والتحليل والتعليل كما كشف عن صبر على البحث والاستقصاء، فجل ما في هذا الكتاب بحوث علمية وأوراق عمل تحتفل بأدبيات البحث وشروط منهجه.
ولعل معالي السيد إياد أمين مدني في كتابه هذا لا يفرض رأياً ولا يسارع إلى إقرار نتيجة وإنما هو يناقش في تواضع العلماء وحكمة المفكرين أبعاد المشكلة ويشخصها ويحدد أطرها ومنطلقاتها. ولا يعني هذا أبداً أنه يأخذ بالحيدة والوقوف عند المجرد.. فحتى تلك القضايا التي قدمها في هيئة أوراق عمل، فلقد كان تحديده لطبيعة المشكلة وزاوية معالجتها وتعدد المفاهيم والرؤى حولها ما يكشف عن موقفه ورأيه منها ويوجه النظر أيضاً إلى آفاق الحلول والتماس الحكم عليها.
يقول معلقاً على موضوع سؤال الهوية بعدما عرض مجموعة من الآراء والمفاهيم حول سؤال الهوية الوطنية والملامح الاجتماعية لإنسان المملكة العربية السعودية.
\"وهكذا انتهى النقاش بطرح مزيد من الأسئلة بدلاً من محاولة تقديم الإجابة.. ولكن طرح السؤال هو في حد ذاته تحديد لوجهة الإجابة\" ويبدو أن هذا ما أخذ هو به وذهب إليه في كثير مما عالج، ولا سيما وأن القضايا المعروض لها هي قضايا طارئة متجددة تتصف بالتغير المستمر وتحتاج إلى تشخيص وتحديد ودراسات علمية قبل إصدار الحكم عليها.
وتبدي عمق النظر عنده وعنايته بتحديد المقدمات والمصطلحات تحديداً علمياً دقيقاً كي تقود إلى نتائج صائبة، في معالجته لموضوع النفط والفكر في منطقة الخليج.. فهو لا ينظر إلى الثروة النفطية على أنها عامل من جملة العوامل الأخرى البيئية والزمانية التي تؤثر بأحداث التغيير والتطوير فقط، وإنما يعرض للتأثير المتبادل بين هذا العامل النفطي والعوامل الأخرى، يقول \"فحينما يؤثر عامل من العوامل على عوامل أخرى، أو حينما تؤثر جميعها بعضها في بعض، فإنه يؤثر فيه ليغيره أو ليطوره..\" فهو إذاً تأثير متبادل بين العوامل المؤثرة في حد ذاتها فيصيبها بالتغيير..
\"سن زرافة\" بإجمال كتاب خصب مثير مؤثر بما عرض له من قضايا كبرى وبما كشف من أبعادها وتأثيراتها.
للتواصل
البريد الالكتروني
[email protected]
فاكس: 026980564
