جدة..المحرر الثقافي :
عن الدار العربية للعلوم ناشرون وفي 247 صفحة من القطع المتوسط وغلاف من تصميم الفنان سامح خلف صدرت الرواية الأولى للروائي الكويتي الشاب سعود النعوسي \"سجين المرايا\"، تلك الرواية التي قدمتها الأديبة الكويتية الشاعرة سعدية مفرح بعنوان \"دراما فردية وشجن جماعي\" تقول:\" هنا سجين المرايا.. وهنا روائي يغالب شجنه الفائض بحنكة المدربين على مقاومة الأحزان باحتمالات المواهب البشرية الرابضة على أطراف البهجة دائما.
يكتب روايته ليصنع منها سجلا للضوء المتضاعف من خلال انكساراته الحادة على اسطح المرايا المتقابلة وجها لوجه، فيزيح الظلام بذلك النور المخاتل، ليتحرر سجين المرايا أخيرا بالكتابة والأغاني والمشي في حدائق الزنبق البعيدة.
في \"سجين المرايا\"، يجعل الروائي الشاب سعود السنعوسي من الكتابة خلاصا ومن الرواية ملاذا ولا ينشغل كثيرا بما سيأتي بل يمضي يقشر شخصياته بصبر وأناة حتى لتبدو أمامنا عارية إلا من حقائقها الإنسانية ونوازعها الخفية، فنستطيع عندها أن نجيب على سؤاله الروائي بتتبع مصائر تلك الشخصيات والاجتهاد في قراءة ملامحها على الورق بكل ما أوتينا من قوة على الفراسة والتخمين.
في \"سجين المرايا\" تتراءى لنا أولا قصة حب مبتسرة وبائسة بتفاصيل صغيرة وذكريات باهتة وتحولات مفصلية في النهاية. وعلى الرغم من أن هذه القصة ذات التداعيات الرومانسية الغضة تستغرق كل مساحة الرواية تقريبا، الا أنها تبدو هامشية وربما مجرد أرضية ذات لون محايد لتبرز فوقها بوضوح منمنمات اللوحة الحقيقية ذات اللون الأسود لعلاقة الراوي أو ذلك الفتى الغر بوالدته على نحو غريب ومأسوي. ففي حين يبدو مشهد موت الأم مشهدا عابرا في الكتابة، على الرغم من قسوته واكتنازه بالكثير من الوجد والدموع، يتضح لنا مع تداعي الأحداث واقتراب النهايات انه المشهد الرئيس والذي تمحورت حوله كل الحكايات الأخرى من بعيد أو قريب.
لقد بقيت صورة الأم، التي تشبه في ملامحها صورة المغنية نجاة الصغيرة، جرحا غائرا في أعماق ذلك الفتى المنشغل باكتشاف ذاته من دون ان يدري. وكان الدم يتحرك نافرا من ذلك الجرح القديم كلما لاح في الأفق ما يعكر صفوه النفسي أو يزعزع قناعاته بأقل العبارات وأبسط الصور ولو من خلال أغنية لتلك المغنية الأثيرة على سبيل المثال.
ولأن الأم تتخذ في الرواية صورا شتى لعلها اكثرها وضوحا صورة الوطن المغيب خلف ركام متزايد من الشعارات المستهلكة، فهي تحضر بشكل ملتبس في كل الحوارات والاحداث، وتتراءى ملامحها الجميلة لتكون العقاب والثواب، كلما كانت القيم والمثل الوطنية على محك الاختبار الفعلي.
انها رواية الدراما الفردية المليئة بالشجن الجماعي والوجد المهيمن على كل الأحداث بغض النظر عن أمكنتها وأزمنتها. وهي رواية البحث عن الذات من خلال الاخر، والنظر الى العالم من خلال عيون القلب وحدها\".
الجميل هو تزامن إصدار هذه الروية مع الإعلان عن فوزها بجائزة الأديبة ليلى العثمان التي تقيمها وتشرف عليها رابطة الأدباء الكويتية والتي أعلن عنها في نفس الأسبوع، الجدير بالذكر أن الشاب سعود السنعوسي يكتب عمودا أسبوعيا في القبس الكويتية ويعد من الوجوه الشابة التي سجلت وجودها بثبات في المشهد الثقافي الكويتي.
مقطع من الرواية منشور على الغلاف الاخير:
حاولت مرارا أن أنسى، ولكن، يصعب إدراك النسيان مع وجود تلك الصناديق الصغيرة السحرية المقفلة بداخلنا. تلك الصناديق التي تحوي كل ذكرياتنا، حلوها ومرها، قديمها وحديثها، مهما بدا لنا نسيانها، تبقى دفينة في أعماقنا محتفظة بأدق التفاصيل، في قلب ذلك الصندوق المحكم الإقفال، والذي لا نملك مفاتيحه بأيدينا، بل ان مفاتيحه تحلق حولنا في كل مكان من دون أن نشعر بها. قد يكون المفتاح أغنية، نسمعها صدفة، تفتح صندوق الذكريات، لا تأخذنا للماضي، بل تحضر الماضي بتفاصيله حيث نكون. قد يكون المفتاح عطرا، يحاصرنا في مكان ما، يذكرنا بأصحاب العطر ووقت وجودهم، تغزونا روائحهم، تحاصرنا أصواتهم ثم سرعان ما نجدهم ماثلين أمامنا سالكين أقصر الطرق من مدن الماضي المختلفة إلى عاصمة الحاضر. قد تُفتح صناديق الذكرى بسبب درجة حرارة معينة، يستشعرها الجسد مع تغيّر فصول السنة، حين يطرق الشتاء الأبواب تبدأ أجسادنا بالبحث عن أولئك الذين يشعرونا بالدفء. قد تنثر الصناديق محتوياتها حين تطأ أقدامنا أماكن مألوفة، لم يتغيّر بها شيء، كل شيء حاضر، إلا الزمن والأشخاص الذين تخلفوا عن الحضور.
