في روايته الجديدة يواصل زين عبدالهادي البحث عن ذاته، تلك التي ظن انه فقدها في العام السابع والستين، أثناء اجتياح صفارات الانذار وسارينة الاسعاف ونباح كلاب ضالة وفئران تسعى في مدينته بورسعيد، وعلى الرغم من استطاعته الخروج من النكسة بمساعدة عمه خضير، ذلك الرجل الوحيد الذي لم يكن مرشحا لأي فعل اللهم إلا خطف رغيف خبز والعدو به وسط ضحكات وسماح صاحب الخبز المخطوف، هذا ان اعتبرنا هذه السرقة الوضيعة فعلا يمكن أن يرشح شخصا ما لإتيانه.
في الرواية الجديدة – التي تصدر طبعتها الثانية عن دار شمس للنشر والتوزيع – تلك التي تأتي بعنوان «التساهيل في نزع الهلاهيل»، نرى «زين» وقد اجتاز أزمة النكسة ويدخل دوامة الحياة طالبا بالجامعة.. جنديا يؤدي فترة تجنيده الاجباري.. ونراه وقد سافر إلى الخليج، وفي كل مرحلة من هذه المراحل يحكي لنا ما يلقاه من عنت الحياة وقسوتها، يحكي دون أن يترك شاردة أو واردة تفوته يحكي حلمه وحلم الكثير ممن هم مثله عاشوا وماتوا بحلم وحيد لم يتحقق، يحكي وكانه يسوقه مرثية طويلة يكرس كل حروفها لهذا النفر مجهض الاحلام، هؤلاء الاشخاص تستطيع أن تتعرف عليهم بسهولة لا مزيد عليها فمهما تنكر احدهم في ملبس أو مركوب أو لسان، ستعرفه عندما يواجه كفا ترتفع في وجهه تمنعه من الاستمرار في السير، أو تحرمه من الدخول من باب أو التقدم إلى النافذة، ستعرفه لحظتها عندما يتوقف وينظر في بلاهة وقد فغر فاه كأنه يوشك على الكلام والاعتراض أو حتى محاولة السؤال، لكنه لا يتكلم وطبيعي لن يسأل.
ومن ادراكه لحجم العسف الذي يلاقيه هؤلاء، يتولد ادراك في اتجاه مخالف، ادراك بإمكان استعادة بعض مما فقدت روحه، وتوجيه ما انفجر من شظايا ضوئية إلى أن تتحد مرة أخرى لتصنع له أحلاما جديدة، يقول: «اشد في خطوي اتنسم عبير الأشجار التي غسلتها الأمطار وازهارها الملونة التي تفترش الأرصفة تعلن عن عالم جديد قادم لا أدري عنه شيئا، تسبقني أحلامي دائما، أحاول أن اتتبعها، أحاول جاهدا، زقزقة العصافير وضوء الشمس الخافت ورائحة الورود وابتسامة طفل يركض خلف ظله، كل ذلك يجعلني ابتسم في تحد فما زالت الحياة تولد كل يوم من جديد».
