المدينة المنورة – البلاد
شهر رمضان الكريم له نفحاتٌ “غير” في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.. ولأهلها فيه عادات بجمالهم وهم من يحبون من هاجر إليهم.. تغيرت بعض المعالم والعادات.. وبقي القليل.. هنا استجداء للذكريات.. رمضانية..
لرمضان نفحاتٌ يعرفها المشتاقون إليه.. تزداد اقترابا مع دخول النصف الثاني من شعبان. ويستوي في الشوق المقصرون والبارُّون إذ يستوون جميعا في الأمل في الخروج من الشهر بشيء من الرضا والغفران..مستذكرين ذلك الحديث “ورجل أدرك رمضان فلم يغفر له”.. وهي خسارةٌ كبرى.. وأحسب أن الله عز وجل أكرم من أن يمر برمضان على عباده فلا يغفر لهم.
رمضان في الذاكرة هو المدينة المنورة أكثر من أي مكان آخر.. حتى مكة المكرمة. وبالرغم من البعد الذي يكاد لا يلامس إلا أياما قلائل من رمضان، وبالرغم من انحسار الكثير من الجميل الذي كان بالمسجد النبوي وخارجه.. فما يزال القليل الذي تبقى يرفق بالنفس حينا وينوء بها إلى الأسى أحيانا.. وإذ أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرَّهم، فإن أسفي كان أن كنت صبيا في آخر ما تبقى من الزمن الجميل.
“سيدي شاهن” كان الإعلان المبكر عن قرب رمضان، ومع أنه كان احتفاءً بليلة النصف من شعبان فإنه كان إيذانا ببدء الاستعدادات لرمضان.. كان لليلة الرؤية طعم خاص من شوق مشوب بالخوف، وكان الإعلان عن دخول رمضان يتم عبر إنارة اللمبة الحمراء في أعلى المئذنة الرئيسية وبطلقات المدافع التي تجاوبها أصوات التكبير والدعوات. وكان الإعلان عن الشهر يتأخر أحيانا بسبب وسائل الاتصال إلا أنني لا أذكر ما حصل في الجيل قبلي من أن الإعلان عن رمضان أو العيد جاء أحيانا بعد دخولهما. ورمضان في صغري كان في عز الشتاء، ومع أنه كان أهون مما لاقيته لاحقا في عز الصيف، فقد كانت للبرد شدته التي لاتُنسى. وكانت مائدة الإفطار بالقليل الذي عليها، وكثير منه مما يصل من التبادل مع الجيران أبقى جمالا في ذاكرتي من وجبة السحور التي كان والدي يحرص أن تكون متأخرة اتباعا للسنة، وهو ما كان يعني استيقاظا وخروجا من الدفء للسعات البرد. عدا أن الوجبة كانت أقل ترفا من وجبة الإفطار وكثير منها من بواقيه.
الحرم.. كان نقطة تجمُّع الأنشطة والقلوب. وقبيل المغرب كان شارع العينية وشارع عبد العزيز ومنطقة باب المجيدي وحتى حارة الأغوات تعج بالباعة والمتسوقين..وكانت “فطورك يا صايم” هي الأهزوجة التي تعبث بالصبر.. وحين الإفطار كانت الفرحة الأولى مع كثير من أصوات الاستعجال والأسف على نزول بعض الأطباق.. وبعد الإفطار والصلاة كان المسير إلى الحرم مشدودا إلى الآذان ينبع من المآذن الأربع وبأصوات تصل الأرض بالسماء. وكان الشيخ عبد العزيز بن صالح يصلي العشاء وبعده كامل التراويح ولم يتوقف عن ذلك إلا بعد كبره. وأذكر أن التهجد كان يؤم مصليه الشيخ نفسه والشيخ عبد المجيد الجبرتي والشيخ الصاوي رحمهم الله، ثم انضم آخرون لم تستبق بعضهم ذاكرتي ولا ذاكرة المدينة. وكان لقدوم العشر الأواخر وجدانيات ووجدانيات وأذكر من أجملها المجموعات المختلفة التي كانت متفرقة لصلاة التهجد في أرجاء المسجد وكان معظمها لحفَّاظ القرآن الكريم. ولم يكن غريبا أن ترى أطفالا صغارا يؤمون شيوخا. وكانت للشيخ ابن صالح خطبة ليلة السابع والعشرين تنبيها لفضلها. وكان الشيخ يصلي الوتر إلا في العشر الأواخر حيث كان يصليه الشريف المغربي كما أذكر ثم خلفه الأستاذ محمد ثاني. وكان الجزء الشمالي من الحرم يتحول إلى شكل آخر بسبب الاعتكاف في العشر الأواخر. تبقى المدينة منورة بساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام.. وأحن إليها وقد تغيرت الأصوات، وتوحد الأذان، وتغيرت نبرة داء الختم، وتوقفت صلاة الوتر في تراويح العشر الأواخر.. واختفت وجود وبسمات.. وحلت لوحات النيون محل أصوات.. “فطورك ياصايم.. وحد الدايم”.
رمضان..المدينة المنورة
