( الغلط )
شعر- رده السفياني
إن كان ما هذا الغلط مني عليك يردني
ماردني حبك ولا لك ردني دمعٍ ذرف
علقني بصمتك على جفن الجروح وشدني
واكتبني أول من بغلطاته تباهى واعترف
عد الغلط مفتاح شباك البياض وعدني
مفتاح قلبك كلما قلبك تهيا وانجرف
اشرع صباح الغي فيك وفيك للغي اهدني
تقدر وهذا برق وسمي لك تيمم وانصرف
تمم كمال النقص عذري واعترافي مدني
اما شرب من نهر عصيان الرضا والا اغترف
صمتي يسدك وانكسار البوح فيك يسدني
يعني جمعت اقصى طرف لاوجاعنا باقصى طرف
من غيرك اجمل؟!وانت وحدك في الشتات
تودنيمن غيرك اكمل؟!وانت جرح وكثرة جروحي ترف
هذا الغلط حلمٍ تباشربي وموعد هدني
من ياترى منا تحمل وزر غيره واقترف
هذا الغلط! يعني كثير من الظروف تحدني
ليلة وصلتك مستقيم وداخلي طفل انحرف
وان كان شح الصبر فيك ولا قدرت تردني
قول إنك أول من عرفني وانك اخر من عرف
رؤية- محمد الرفيدي
رده السفياني..هذا الاسم أحد أعلام الشعر العامي في العقدين الأخيرين،أو ربما تجاوز ذلك،كتب القصيدة العامية بنفس جديد، وأعتبر مع ثلة من أبناء مدينة الطائف الأبرز ضمن دائرة كبيرة حفلت بالعديد من شعراء التجديد منذ الثمانينات وحتى وقتنا الحاضر.
وقد لايشكل رده النواة الأولى في هذه المجموعة، لكنه الشاعر الذي ابتدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذه ميزة قد اتتوافر في أي شاعر آخر.ورده متهم من الطراز الأول في كونه لم يخرج من عباءة شاعر كبير كالحميدي الثقفي،وأنا هنا لا أنفي ولا أثبت، فمن يقول بذلك فإنه ولاشك لا يعيب رده، إنما يميزه؛ لأن الإستعارة من الحميدي دون ترك بصمات له أمرلا يحسنه إلاكل ذي مهارة، ومن يقول بعكس ذلك فإنما يثبت تفردا لرده، وكلاهما ميزة كما ذكرت.
وفي نص رده هذا سوف نتلمس جوانب التجديد،من جهات عدة،لعل من أبرزها هذه اللغة التي حفل بها النص،وهي لغة براقة ولاشك،هذه اللغة ليست بالعامية المحضة،كتلك التي يكتبها بعض شعراء التجديد،وأعني هنا: من جددوا في الفكرة،دون النظر إلى عامل اللغة،وعامل اللغة أحد الركائز التي يفترض أن النص الجديد قد حظي بنصيب وافر منها،وإذا ما استعرضنا بعض الأسماء التي شاركها رده هذا الطرح فلن نذهب بعيدا باتجاه الإضناء،وعندما أقول:شاركها فهذا يعني أنهم قد،سبقوه في هذه التجربة ومن هذه الأسماء:نايف الجهني ومشرف الشهري (يرحمه الله) وإبراهيم السمحان في بعض نصوصه وكذلك محمد الزهراني في بعض نصوصه أيضا،هذا عدا الحميدي الثقفي الذي كان أثره واضحا بعض الشيء.
وما من شك في أن لغة الخطاب عند رده لغة فائقة الوصف،فهي ليست بالعامية المحضة،وليست بالمعماة،التي لا يمكن معها الوصول إلى المراد من سياق الكلام.
لكن بالنظر إلى نصوص نايف الجهني ومشرف الشهري،وكلاهما تحفل نصوصهما بمثل ماوصفت،من وجود لغة بها كثير من الشحن المتعالي في الوصف،والذي يفتش في نصوصهما يدرك ما أعني،فلغة الخطاب لديهما مرتفعة بدرجة قد تجعل من الحكم على نصوصهما بأنها ليست نصوصا عامية حكما واقعيا.
إلا أن رده، المتزن كثيرا في لغته،يجمع بين اللغة المرتفعة ،حسا ومعنى، وبين أن تكون هذه اللغة في متناول يد القارئ ،وهذا الاتزان بلاشك عندي أعزوه إلى أمرين:
الأول:تعرفه على تجربة التجديدعن كثب،وذلك من خلال التعاطي مع شاعر كبير،كالحميدي وهذا محل فخرللشاعرين.
الثاني:أن رده ابن قرية،حتى وإن سلمنابكونه أحد سكان المدينة حالا،لكن يبقى للأثرالقروي على رده،وعلى الحميدي أيضآأثره الواضح،وذلك يتضح من خلال التعاطي مع مفردات قروية،لاتظهرعادةإلاعند ذي الأصول الريفية.
في الوقت الذي يمكن أن نلمس وجودأدوات بدويةلدى بعض الشعراء، كنايف صقر مثلآ أو مساعدالرشيدي.
ورده،من الشعراءالذين لاتخلونصوصهم من فلسفة،شعريةكانت أوفلسفة حياةبصفة عامة،فهولابدوأن تظهر له في كل نص من نصوصه بصمةخاصةبه، وكأنه بذلك يريد أن يقول للمتلقي:أنالست كبقيةالشعراء.
وفلسفة(الغلط)الذي يسميه رده في نصه هذا،وهوالمقصودبطبيعةالحال بالخطأ،تبدو ولأول وهلةمن خلال تلك القافيةالتي تركنا رده نتلمس من خلالهاماهيةالآثم،فكل بيت من أبيات النص يؤكد على اعتراف الشاعر بخطئه،ومن خلال القافيةالثلاثيةالأحرف(دني)،والتي هي في الواقع أربعةأحرف،بالنظرإلى الدال المشددة،وحتى أن اختيار التشديد هنا من باب التأكيدعلى ذلك الاعتراف المقصود بيانه.
يؤيد ما أقول:اعترافه الصريح في مستهل النص،فالشاعرلم يذهب بعيدآ إلى حيث يمكن أن تصيبنا السآمة من البحث عن اعترافه،بل سارع في إدانة نفسه بكل وضوح،فقال:
واكتبني أول من بغلطاته تباهي واعترف.
لكني لم أتفهم من الشاعر هنا أن يأتي بعد هذا الاعتراف،فيقول بشكل أيضا واضح وصريح:
صمتي يسدك..وانكسار البوح فيك يسدني.
ثم يؤكد ذلك بقوله:
يعني جمعت أقصى طرف لأوجاعنا بأقصى طرف.
وهنالايمكن أن نتلمس للشاعرعذرآ،إلاحالتين،لا ثالث لهما:
الأولى:أن يكون اعتراف الشاعر هنا ليس اعترافآ منفصلا عن حالةالنص العامة في وصفه لهذه العلاقة،والتي هي حالةالصمت المطبق،المذكورة في البيت السابق،إنمادلت عليه حالة الصمت التي تميزت بها تلك العلاق.
أوأن يكون ذلك الاعتراف منفصلآ عن الحالةالعامةالتي كست هذه العلاقة، وهذه من منزلقات النص ،إذكيف يمكن أن يكون كذلك والشاعريؤكد هنا أنه قدجعل صمته كفاية لما يمكن أن يعبربه عن اعترافه بذلك الغلط.
وعندماأقول بأن رده:لايمكن أن يكتب نصآ من نصوصه دون أن يترك أثره الواضح،أو فلسفته التي تعنيه دون غيره ،فأنالاأبعدالنجعة،فبعيدآعن أوجه الاتفاق أوالاختلاف حول النص وتضاداته الداخلية،هناك فلسفةعامة له،من حيث التعريفات التي مزج بهانصه هذالمفهوم(الغلط)،فمن قوله:
عدالغلط:مفتاح شباك البياض وعدني…الخ..
وقوله:
هذاالغط:حلم(ن)تباشربي..وموعدهدني
إلى قوله:
هذاالغلط..يعني:كثير من الظروف تحدني
كل هذه التعريفات ل(الغلط)في نص رده هذا،يجعلني أذهب باتجاه القول بأن:رده يعتمد اعتمادآ كليآ في كتابةنصوصه على مفهوم فلسفي،بمعنى: أنه يكتب بوعي الشاعرالفيلسوف.
وهذا الوعي لا نجده عند كثير من كتاب القصيدة الحديثة،فربماجدد البعض منهم في الشكل،فتناول مفردات لم تكن مطروقةمن ذي قبل،أو تناول الشكل الجديدللنص العامي،فكتب قصيدةالتفعيلة،وقد يذهب بعضهم بعيدآ،باتجاه النص الحر،لكن قدلانجدلدى هؤلاءفلسفةشعريةخاصة،فيبدون للغير على أنهم شعراء،وهم كذلك،لكنهم شعراء بلا فلسفة شعرية،ورده هنا،وفي غير هذا النص شاعر بفلسفة شعرية خاصة.
رده السفياني شاعر ابتدأ من حيث انتهى الآخرون!
