الأخيرة الأرشيف

رجل .. يُقبِّل امرأة أمام الناس

بخيت طالع

1
قبل حوالي عامين رأيت رجلاً يُقبِّل امرأة , في مستشفى للعيون بجنوب جدة ، عندما كنت مع آخرين ننتظر ” دورنا ” للدخول إلى عيادة الطبيب ، وأظن أن من يقرأ ما تقدم هنا سيكون حاله أحد فريقين .. الفريق الأول سيذهب تفكيره إلى سوء الظن مباشرة , وأظن هؤلاء هم الأكثرية ، بحكم ما درجنا عليه من ثقافة معكوسة ، وهي تقديم سوء الظن على حسنه .. أما الفريق الثاني – وهم الأقلية – فسيكون في حالة ترقب وحيادية ، حتى يكتشف تفاصيل ما سأقوله هنا عن هذه الحكاية .
2
والحكاية أن أحدهم قد وصل إلى المستشفى متأخرا ً، بعد أن علم أن أمه قد سبقته إلى زيارة طبيب العيون ، وعندما وصل إلى باب العيادة , كانت والدته قد فرغت من مراجعة الطبيب ، وبدأت في السير بالممر المقابل للعيادة ولنا نحن الجالسين ، فهرول الرجل مسرعاً نحوها , ثم طبع على دماغها ثلاث قبلات – ونحن ننظر إليه – ثم تناول كفها وقبله كذلك مرتين، وهو يقول بصوت سمعناه – من كان معي وأنا – “سلامات .. يا أمي ” .!!
3
هذه هي كل الحكاية.. والسؤال الآن.. ماذا لو قام أحدنا نحن الجلوس ، نحو الرجل يستنكر صنيعه , فيقول له مثلاً : ” ياهوه .. ايش تسوي .. هذا ما يجوز أمام الناس “.. في استنكار لتقبيل الرجل لـ “المرأة” أمام عيون الرجال .. ثم ماذا لو غضب ( الرجل / الابن ) .. ورد عليه : ( ايش لك دخل أنت) .. ثم تطورت المسألة إلى تراشق بالكلمات ، وربما تماسك بالأيدي والحلوق .. واستخدام للعُقل واللكمات .. بينما الحكاية من أصلها أن ابناً بارّاً , جاء فزعاً يتحرّق على سلامة أمه العجوز ، وليطمئن على صحتها ، وقابلها بأريحية عامرة بالبر والمودة , وفي مشهد ربما يكون درسا تربويا في البرِّ للكثيرين ممن شهد الواقعة !! .
4
تذكرت كل ما تقدم , وأنا اقرأ مقالاً للأستاذ أسامة السباعي في (المدينة) عن حكاية حدثت أمامه في المطار .. يقول الأستاذ السباعي في مقاله الذي كان عنوانه يقول : (عندما تحتضن الفتاة أباها .. في المطار ) .. حيث يقول : ( في الأسبوع الماضي ، علا صوت جهوري شق الصمت الذي ران في صالة استقبال الركاب القادمين من الخارج ، صاحبُ الصوت رجل يرتدي مشلحاً يصيح : ( ما يجوز .. حرام .. اتقوا الله .. هذا فسق .. انه والله فساد في الأرض ) .. ويضيف الأستاذ السباعي : ( وعلى بعد أمتار وصلت فتاة مع بعض من أهلها قادمين من الخارج ، وأخذت تركض نحو رجل متقدم في السن .. احتضنته وقبلته وهي تقول : والله .. وحشتني يا بابا ) .
ويواصل الأستاذ السباعي : ( بلغ الغضب من الرجل – المُستنكر – أقصاه ، فرفع عقيرته : أوقفوا هذا المنكر.. لكن الرجل المسن وابنته غادرا المطار ، وصوته يلحقهما حتى غابا عن الأنظار ) .
5
أنا الآن اسأل وقد وضعت فرضية أن الرجل الذي أراد الإنكار على هذا الموقف قد يكون من (الهيئة) استناداً على وصف الأستاذ السباعي بأن الرجل كان ( يرتدي مشلحاً ) .. وأيا كان الرجل من الهيئة أو من خارجها , فإنني أقول دون تدخل في أمر الإفتاء أو الحلال والحرام .. ولكن من وجهة نظر تربوية فقط .. ألا يمكن ( إذا افترضنا أن ما حدث هو جريمة – مع انه غير ذلك – بان تقبل فتاة والدها الطاعن في السن أمام الناس ) .. أقول : ألا يمكن أن يكون الإنكار بأسلوب أفضل ، مثل أن يذهب هذا الأخ إلى الرجل وابنته ويسلم عليهما ، وهو هاشّاً باشّاً ، ثم يهمس في أذنيهما بما يريد في اختصار، وفي إيجاز وبأسلوب محبب ، يفيدهما ويعطي نتيجة ، بدلا من الإنكار بصوت مرتفع ، ضرره أكثر من نفعه .

6
أظن أن لدى الكثيرين منّا إشكالية كبيرة في هذا الشأن ، خصوصا ونحن في معظمنا نتقمص سوء الظن بعباد الله ، ونضمر في أعماقنا روح الفضيحة ، بدلاً من خاصية الستر ، بينما جوانب ديننا حافلة بكنوز من الأريحيات العذبة ، التي حولت كثيراً من الناس ، وحتى غير المسلمين إلى الإسلام لمجرد الأسلوب الحسن .
7
يجب أن نعترف بشجاعة أن لدينا مشكلة في ( الظن بالآخرين ) .. ولدينا مشكلة اكبر في إيصال رسالة النصيحة لمن حولنا , وهي نابعة من أن كثيرين لم يستوعبوا ( فقه الواقع ) والذي من لوازمه أن من النصيحة أن تسكت عن شيء , مخافة أن يكون الكلام فيه ذريعة لارتكاب مفسدة اكبر , كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية بعدم الإنكار على شبان يشربون الخمر على قارعة الطريق ..
8
من شعر الإمام الشافعي ( رحمه الله ) : ( تعمدني بنصحك في انفرادي – وجنبني النصيحة في الجماعة – فإن النصح بين الناس نوع – من التوبيخ لا أرضى استماعه ـ وإن خالفتني وعصيت قولي – فلا تجزع إذا لم تعط طاعة ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *