** كان في ذلك الزمان تأخذك قدماك، أو على ظهر عربة تجرها دابة.. الى خارج “المدينة” فتتجاوز باب الشامي شمالا أو باب العوالي.. باب قباء جنوبا لتصافحك ببساتينها الوارفة الظلال وبنخيلها التي تشق عنان السماء، وبأشجار “النبق” بنسائم الفل، وعبق الورد، ورائحة “البرسيم” فتدخل الى ازقتها المنحنية بكل حذر لضيقها.. وانت أكثر سعادة، فيلمحك ذلك الفلاح التي تشققت اقدامه وتفحلت كفاه.. فيسارع اليك هاشاً باشاً.. مرحباً..
لقد كانت تلك “القرى” البسيطة ببيوتها الطينية.. وبجلوس اهلها امام ابوابها في العصاري حتى غروب الشمس.. هادئة تنام قريرة العين مطمئنة النفس لا يعكر صفو حياتها شيء.. من هذه التي دخلت حياتنا بما تنقله على شاشاتها من حروب.. ودمار.. وضياع أمم.. تلك “القرى” الصغيرة والتي تحيطها تلك “البساتين” بكل ثمارها لم تعد الآن فقد زحف عليها العمران فتحولت تلك “الجنان” الى كتل من الاسمنت فغيب فيها كل شيء جميل.
** كان صديقي يسألني ونحن نسير سوياً أمام بستان “الهرمية” أين تلك “الجنان” وكيف “أكلت” وأين مضى أصحابها قلت لقد غيب أكثرهم “الموت” واخرين غيبهم الزمن بجحوده فغابت تلك “الجنان”.
تذكرت هذا وأنا أقرأ ما قذفه عبر رسائل الجوال الزميل الصديق عبدالرحمن الانصاري حيث قال:
** الإحساس الذي يغمر أحدنا، عندما يكون في حضن والدته، هو نفس الإحساس الذي يغمرني حين أكون في حضن طيبة الطيبة.. ما يحزنني هو أن معاهد ومسارح ذكرياتي هنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي فقط ما بقي من تلك المعاهد ومواقعها ، في ذاكرتي..
أما أعظم وأكرم ما أنعم به اليوم في المدينة النبوية، فيتمثل في أول ضيافتها الكريمة التي تقدمها لمن يحل بها، وهي : اطمئنان النفس، وانشراح الصدر.. فتعالوا إلى طيبة الطيبة لتشاركونا الإحساس الجميل بالقرب من الله ورحمته..
ذكرياته وهو في أحضان أمه
