الأرشيف شذرات

«ذئب السَّرَب»

قامت مستورة عن الصخرة التي ظلت متكئة
عليها منذ أن انكسر ظل الجبل، ثم أخذت تنادي نويقاتها المتعلقات بأشجار الجبل للهبوط. استجابت النويقات منحدرات عبر تعاريج الجبل، ومن بين الحيود التي يخف نتوؤها كلما انبسطت في السهل. نفض الجبل النويقات عنه لدوابّ الليل، فانحدرت مثلما ينحدر قمل من رأس. حثّت مستورة في مشيتها، تريد أن تصل إلى البيت قبل أن يدركها الليل. أربعة عشر رأسا، بعدد سنين عمرها آنذاك. إحدى عشرة ناقة وتحتها ثلاث من الحشو. عطايا الرحمن. لعظام أوراكها وقوائمها وهي هابطة ما يشبه صوت فرقعة أصابع اليد. تتخلص في كل خطوة ما استطاعت من جوع ومن وهن. أُطلق فيها عبيدان، فحل معيض، منذ ما ينيف على الحَول بقليل. ولدت منهن ثلاث والباقيات مَواخض. يزيدها الهبوط مهلا على مهل، فتسير كأنهن مقيدات، كأنهن البواخر موشكات على الرسوّ. بأخفافها تفرش الأرض، وتصنع اللمسة الأخيرة أمام مرآة السماء. في ذلك الوقت كانت قبة السماء صافية إلا من لطخات برتقالية، لكنها ما لبثت أن استحالت تدريجيا إلى بنفسجي انصهر سريعا في عتمة الغسق ليتساوى مع باقي السماء بفضل الظلام الزاحف. ولئن كانت السماء طوال النهار كالزجاج، فإنها بدت في تلك اللحظة كالمرآة، والإبل الماشيات من دونها أجسام مسلوتة تتحرك في انتظام مهيب.
من تلك الأجساد المسلوتة في اللوحة جسدٌ ظل يتوانى في مشيته شيئا فشيئا حتى صار في مؤخرة الذود، حتى عندما غطى الظلام كل شيء لم تعد رؤيته ممكنة. لم تلاحظ مستورة في الأيام الماضية أن ضرع السفرية قد امتلأ حتى كاد أن ينفجر، وأن بطنها قد نزل كثيرا بحيث غارت المنطقة الرخوة من تحت عظام فَقَارها. ولم تلاحظ أيضا أن الناقة، منذ يومين أو يزيد، تحن أكثر من عادتها. لم تلاحظ أيا من ذلك لأنها لم تكن ترعى الإبل قبل أكثر من شهر.
عندما صارت السفرية في آخر الذود وحان مخاضها مالت إلى أرض صلدة مرتفعة وبركت. استلقت على جنبها ثم أخذت تدفع بطنها وترزم مع كل دفعة إرزاما لا يصدر إلا عن ناقة ولدت ثماني مرات. أخذت تزحر بشدة وهي مستلقية، لكن ذئب السَّرَب شمها، فانقض مهرولا من جحره طمعا في المغنم. ذئب أشهب أعيا الرجال الإطاحة برأسه، وليس غيره في هذا المكان. حين بلغها شرع يراوغها مهاجما، فكانت تنهض مرة وتبرك مرة. يريد أن يشغلها عن ولدها الذي بدأ رأسه وخفّا يديه في الخروج من رحمها الآن. وقفت مرة أخرى وباعدت بين أطرافها التي غدت مثل أوتاد تشدها إلى الأرض، لولا أن الأرض صلبة لغاصت بها. بدا وكأن إرزامها ينطلق من جوفها الخائف لا من فمها. تصارع الموت بشراسة في ظرف غير مثالي أبدا للولادة.
في إحدى المرات التي بركت فيها خرج الوليد كاملا، لكن الأمر زاد سوءا حين خرج بعده بطنها من شدة الزحير وبسبب نهوضها المتكرر أثناء المخاض. لما ضمت وليدها تحتها أخذ الذئب يغافلها، يريد أن ينهش الجزء الخارج من بطنها وقد أغوته رائحة الدم. وكل ما كان بوسع الناقة أن تفعله وقتها أن تنفح الذئب عنها وعن وليدها كلما اقترب. أما حين يأتي من خلفها فكانت تعود برقبتها لترد كل هجمة يهجمها على بطنها المتدلي. إلا أن المخاض العسير كان قد أنهك قوى الناقة ونال من حدة بصرها، ما جعل الكفة تميل في نهاية المطاف لصالح ذئب السرب.
على المجنوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *