الأرشيف ملامح صبح

د. صالح العنزي : جمالية الشعر في أثره العفوي .. شعر الحداثة: رمزية مغدقة بالغموض وسريالية بليدة حمقاء

رؤية- د. صالح العنزي
في بلدتي الصغيرة جرت العادة أن يقيم المركز الثقافي المتواضع الندوات الثقافية ، والأمسيات الشعرية من حين إلى آخر ، وبما أنني أحد المهتمين بهذه الفعاليات فقد حرصت على أن لا تفوتني أي منها ، بغض النظر عن إثارة العنوان ، وشهرة الضيوف ، حتى أنه في كثير من الأحيان كنت أنا كل الجمهور ، فالحضور بشكل عام قليل لا يتجاوز الصف أو الصفين ، إلا في المؤتمرات والمناسبات الحكومية فإن القاعة تصبح كأنها جرة ( خيار مخلل ) ، فالحضور يحتشد احتشادا ، وكأننا في أحد باصات النقل العام في القاهرة ، طبعاً هذا الجمهور في غالبة من طلاب المدارس والموظفين الحكوميين الذين لا يأتون حباً ( للاستمتاع )، بل حباً للاستماع ولكن مجبرا أخاك لابطل. في أحد الأيام عندما خرجت من أحدى الندوات الثقافية – وليست الحكومية – لفت انتباهي عنوان أمسية الأسبوع القادم وقدً أثارني العنوان إثارة الإنكار لا الفضول .
في نفس اليوم اتصلت بمدير المركز الثقافي الذي تربطني به صداقة عميقة رغم الاختلاف الدائم ، وسألته عن فعاليات الأمسية وعن المحاضرين ، فقال لي انها ستكون عبارة عن مجموعة قصائد للشاعر أدونيس يلقيها محبوه من أنصار الحداثة الثائرين على الحرف والكلمة وقوالب الشعر الجامدة المترسبة من عصور التخلف – على حد تعبيره – فطلبت منه المشاركة بقصيدة نادرة وعلى الفور رحّب بالفكرة ، وخاصة أنني لم أشارك بأي فعالية أدبية منذ أكثر من سنتين .
لا أخفيكم أنه أبدى بعض الدهشة والاستغراب من طلبي بالمشاركة ، فهو يعلم مدى مقتي لما يسمونه ( شعر الحداثة ) وما تتستر به من رمزية مغدقة بالغموض ، وسريالية بليدة حمقاء ، فأنا على يقين أن جمالية الشعر وقوته بما يحدثه من أثر عفوي وآني في نفس المتلقي ، لا بما يحدثه من تحريك للعقل لفك الرموز وحل الألغاز ، فمتى ما اضطررتني إلى تحريك العقل والتفكير والتمحيص فقد خرجت بي من روحانية وعاطفة الشعر والشعور، أضف إلى أن الطبيعة والبديهة تقول أن اللفظ يؤدي للمعنى لا العكس فاللفظ هو وعاء المعنى ، فمتى ما كسر الوعاء ضاع المحتوى .
حتى لا أطيل عليكم ، جاء اليوم المقرر للأمسية ، فجهزت أوراقي وكانت ثلاث ورقات كتبت في كل واحدة جزء من مشاركتي وانطلقت إلى المركز الثقافي ، وهناك تفاجأت بالعدد الهائل للحضور .
عندما رآني المدير أقبل نحوي و أخذني من يدي وأجلسني حيث يجلس الضيوف المشاركين ، بعد دقائق من وصولي بدأت فعاليات الأمسية وبدأ الضيف الأول بقصيدة للمحتفى به.
عندما أنهى القصيدة ، وإذ بالتصفيق يعلو فوق التصور ، والابتسامات فوق الشفاه ، وأحسست أنني الوحيد الذي لم أفهم شيئاً ، الصراحة انتابني بعض الخوف من هذا الجمهور الكبير الذي لم يك بالحسبان ، مما اضطرني لإخفاء الورقة الثالثة في جيبي دون أن ينتبه أحد من الجالسين حولي ، في هذه الأثناء كان المحاضر يتكلم عن عبقرية الشاعر وما شابه ، وبعد أن أنهى الضيف الأول كلمته ، قام المقدم بتقديم الضيف الثاني ، الذي لم يختلف عن سابقه كثيرا وقدم قصيدة أخرى.
وهذه المرة كان التصفيق أعلى ، وتخلله بعض الزعقات والتصفير ، مما جعلني أعيد حساباتي للمرة الثانية ، وبخلسة طويت الورقة الثانية ، وألحقتها بأختها دون أن ينتبه أحد ، ولم يبقَ في يدي سوى الورقة الأولى التي كتبت عليها القصيدة ، في هذه الأثناء أتى دوري وقام المقدم بتقديمي على أنني أحد أنصار الكلاسيكية الاتباعية في الشعر العربي ، جئت لأقول أن عبقرية الشاعر تجاوزت الاختلاف – ولا أعرف من أين أتى بهذا الكلام – وعندما ظهرت على المنبر ، اعتذرت للجمهورعن قصر مشاركتي ولكن ما هي إلا شهادة حق أحببت أن أدلي بها ، ثم بدأت بصوت عالي أشبه بالصراخ :
في الجزر الأقصى للبحر
الماء البارد يغلي
ويقلب فوق النار ببطء
فهنا
غروب الشمس
بطعم القمح ولون العصفر
وهنا
الأجواء ملبدة والريح قوية
والموج العالي ينخفض
•••
أنسيت
مناديل بيض مزدوجة
وعطر الليلك
وأفكار ووصفات جديدة
إذن فلتقرأ ما بالأسفل
بين الأفق وطلوع الشمس
وبدأ التصفيق كالعادة ، ونزلت وتم توجيه الشكر الكبير من المحاضرين الذين يجلسون بجانبي ، وفي اليوم التالي تم توجيه شكر لي باسم المركز الثقافي ، وتم نشر خبر في الدورية التي تصدرها دار الثقافة ، كالآتي :
ومن المشاركين أيضاً الدكتور صالح الذي أتحفنا بقصيدة رائعة للشاعر المحتفى به . طبعاً مضى على هذه الحادثة زمن طويل ، وقد أخفيت هذا السر عن الجميع عدا بعض المئات من الأصدقاء حتى لا أسبب إحراجا لصديقي مدير المركز الثقافي ، وهنا سأخبركم أيها الأصدقاء بسر الورقات الثلاث ، و لكن أتمنى أن لا تخبروا أحداً حتى لا نحرج صديقي المدير ، فالأولى كتبت بها القصيدة ، والثانية كتبت بها رأيي بالحداثة السريالية ، وبالثالثة كتبت مصادر ومراجع القصيدة التي كانت من ثلاث مصادر مختلفة ( روزنامة الطقس ، وعلبة الكلينكس ، و تعليمات شوربة الماجي ) كل سطر أخذته كاملاً دون تحريف من أحد هذه المصادر، ولكن خوفي من هذا الجمهور جعلني أتراجع عن إخباره فهو طرطميس (فاتح فمه ومرخي آذانه) لا يمكن تخمين ولا استغراب ما قد يصدر عنه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *