الأرشيف دولية

حرب على حرب!

د. مراد الصوادقي:
متوالية الحروب العراقية لا يمكنها أن تنتهي، لأنها ومنذ عقود انطلقت في دوامة التوالد والانتشار وخصوصا بعد ارتفاع أسعار النفط وضرورات إحراق أهله بعائداته. ترى هل انتهت حقا الحرب التي تأججت بناءً على معلومات استخبارية محرّفة ومقصودة لتغذية المكابرة والاندفاع نحو التعبير عن القوة والدمار والثأر من السراب، وكانت حرب ورطة وسوء تقدير وانفعال متأجج في أعماق النفوس ومسخرة لغايات في نفس ألف يعقوبٍ ويعقوب؟
ويبدو أن الحرب بالمعنى الرسمي والقانوني قد انتهت يوم الخميس 15/ 12/ 2011، لكن البلاد لم تكن محتلة طيلة تلك السنوات، وفقا لاجتهاد أحد عباقرة مجلس الحكم آنذاك والذي أخذ على عاتقه إلغاء قرار كون العراق بلدا محتلا وتنطبق عليه قوانين الدولة المحتلة، التي تترتب بموجبها مسؤولية القوات المحتلة التامة عن ذلك البلد ومواطنيه.
ومع ذلك فإن المعارك لن تنتهي، وربما تكون قد بدأت، ومما يدفع إلى هذا الاستنتاج هو غياب الروح والآلية الديمقراطية عند الكراسي الفاعلة في البلاد، وميل أكبرها إلى الفردية والاستبداد بالسلطة والقوة والهيمنة المطلقة على الأمور، وفقا لتوجهات الحزب الواحد والفرد القائد وسلوكيات حشر العقائد في السياسة.
وأثبتت السنوات التسعة الماضية أن روحية التآلف والتفاعل الإيجابي أضعف من روح الاستئثار والفردية والانتقام وعدم الشعور بالأمان والشك الفتاك. وهذه العوامل قد لا تدفع إلى بناء تجربة ديمقراطية إيجابية، بل ربما تطيح بها.
فهل انتهت حرب الأخطاء والفظائع ومأساة أبو غريب وما شاكلها من الويلات والمساهمات المتوحشة الشرسة الفاحشة الرزية؟
يبدو أن المسؤول الأول في البلاد سيكون أمام امتحان صعب ربما لا ينجح فيه، مما قد يدفع إلى تداعيات غير محسوبة، فقد تتكرر الأخطاء والفظائع من جديد ويدور ناعور القاسيات وتتمزق البلاد ويتشرد العباد أكثر وأكثر.
فلا زالت الأخطاء متواكبة والغايات متكالبة، والنفط يفتح شهية الناظرين ويمنع التوافق والتعامل الوطني الصالح، لأن ثروة النفط بلا معيار أو قانون أو آلية وطنية، وإنما هي لمن يريد ويقدر. وما زالت الخدمات على أسوأ أحوالها، كالكهرباء والماء والنقل والخدمات الصحية والزراعية والمدارس والتعليم والقطاعات العديدة الأخرى، التي تؤسس لبنية تحتية وطنية معاصرة. كما أن السيادة الوطنية ما زالت ترتعش، وما في البلاد من قدرات عسكرية وأمنية محكومة بالآخرين، وبمعايير محددة ومحسوبة ومقدرة على أن لا تتجاوز كذا وكذا من المقاييس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *