جدة – البلاد :
في ليلة اخوانية عندما اجتمع بعض من الأصدقاء على دعوة كريمة بمناسبة شفاء الزميل الاستاذ عبدالله سلمان رئيس تحرير مجلة الاعلام من أثر حادث الاصطدام الذي تعرض له قبل أشهر.. فكان الحديث يدور في محوره الأساسي عن مكة المكرمة وما تعرضت له من أعمال تحديثية لعماراتها مما أفقدها ذلك الطابع المعماري القديم الذي تحسر عليه الكثيرون الذين كانوا يرون إمكانية الابقاء على الطابع القديم وايجاد مساكن للحجاج خارج المنطقة المركزية مع توفر وسائل نقل داخلية.
الحوار بدأ هكذا:
•• التراث العمراني في مكة لم يعد موجوداً ذلك المعمار الجميل ذي الخصوصية الوطنية لقد ذهب كل ذلك تحت \"اضراس\" آلات الزمن الحديث بتلك الآليات التي تهرس كل ما يقابلها أنني أمسك قلبي بيدي وأنا أرى هذا التراث المعماري الغارق في القدم تذروه رياح التغير كأن ذلك الشاعر أصابني في مقتل عندما كان يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
هكذا بدأ الدكتور عبدالله مناع حديثه عن مكة المكرمة بعد ان شاهد هذه العمارات الشاهقة التي حولت مكة المكرمة الى مدينة أخرى ذهب منها كل ذلك العبق الجميل الذي كان يتلبس الإنسان عند قدومه إليها بتلك الحميمية التي تملأ عليه نفسه وتجعله يعيش صوراً من الماضي العتيق الذي يجعله يزداد قرباً من التاريخ الفواح.
الأستاذ عبدالله رواس وهو أحد أبناء مكة المكرمة قال بنبرة كلها حسرة لقد ذهبت مكة التي كنا نعرفها بشوارعها وبأزقتها وبأحيائها وبتلك الأسماء المغروسة في الوجدان. لقد ذهب كل شيء لم تعد مكة كما قلت يا دكتور لقد كانت أيام زمان بذلك الإحساس الجميل الذي يضفي على المكان روعته.
أين الشبيكة – أين النقا – اين الشامية – اين المدعي – اين المعابدة – اين بقية الأحياء لقد ذهب كل شيء؟.
الأستاذ عمر جستنية ضرب مثلاً على حرفية العاملين المهنية في البناء بين الأمس واليوم حيث قال تخيلوا كان لدينا باب مزخرف هو تحفة فنية لم نعرف ماذا نفعل به لقد خسرناه في زحمة هذه الهدميات التي اجتاحت المدينة العزيزة على نفوسنا.
الدكتور محمود بترجي وهو الجداوي قال نحمد الله بانه لا يزال في جدة شيئاً من الماضي وهو ما يطلق عليه جدة التاريخية ان بها رائحة الماضي.
المناع قاطعه قائلاً:
إن كل خوفي أن تمتد يد الاهمال على هذه الكتل من المباني التاريخية التي تحمل عبق الماضي فنجدها تتآكل شيئاً فشيئاً.
•• آخر كان صامتاً يستمع ثم قال ماذا أقول عن \"مدينتي\" المدينة المنورة التي أصبحت بلا ذاكرة فاتت الأصوات من كل جانب آه.. لا تذكرنا بالمدينة المنورة تلك المدينة التي كانت ماضياً جميلاً.. بكل شوارعها وأحيائها وأسواقها..
الرواس: أضاف أن للمدينة المنورة طابعها الخاص بها تشعرك بالهدوء والروحانية العجيبة التي كانت تتصف بها الآن تذهب إليها فلا تجد تلك الأماكن الشعبية.
•• عبدالله سلمان قال: كان المخطط أن تكون مشاهدة المسجد الحرام من بداية مدخل مكة المكرمة.. لقد اتت العمارات العالية فسدت تلك الرؤية التي كان مخططا لها.
المناع قال: نعرف أن التوسعة كانت من أجل ايجاد مساكن للحجاج الأمر الذي كان خلف تلك الهدميات وكان المفروض عمل مساكن خارج مكة إلى خارج \"صرتها\" وتعمل طرقات سالكة للوصول الى الحرم من أربع جهات بقطارات ونقل عام منظم كان ذلك سوف يبقي على جزء كبير من ذلك التراث المعماري.
أضاف آخر لماذا لم يعمل على استخدام وسائل البناء بما يتناسب مع طبيعة مكة المكرمة سواء كان في نوعية البناء أو حتى في مواده أما الآن فكأنك في بلد أو أوروبي لا روح فيه أبداً بهذه العمارات الأسمنتية التي لا تختلف عن أي مكان في العالم.
نعم ان ذلك الشاعر الذي افتتح الدكتور المناع حديثه به عن مكة أصاب في مقتل عندما قال:
وقائلةٍ والسَّكبُ منها مُبادِرُ
وقد قرحتْ بالدمعِ منها المحاجرُ
وقد أبصرت حِمّانَ من بَعدِ أُنسها
بنا وهي منا مُقفِراتٌ دواثرُ
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصفا
أنيسٌ ولم يَسمُر بمكَّةَ سامِرُ
