جدة – لقاء – سليمان سعيد
يظل أحمد باديب شخصية أدبية وثقافية معروفة فوق أن له تاريخه الوظيفي الحافل بالإنجازات والذكريات.
(البلاد) تكشف جوانب جديدة وتحديداً الجانب الوظيفي في حياة (احمد باديب) عاشق جدة وعلاقته مع رؤسائه في العمل وكيف فقد ثروته في يوم واحد وفي لحظة خاطفة وعمله كأول مدرس سعودي يدرس المواد العلمية.
رحلة مليئة بالكفاح وبالجهد:
يقول ضيفنا الكريم :”بداية تعليمي كان بالقرآن الكريم وقد ختمت القرآن الكريم وعمري 6 سنوات ثم ادخلني والدي ،رحمه الله، المدرسة السعودية وتقع في حارة الشام وكانت جميع المباني من الخشب والبحر يجري من تحت المدرسة وإذا سقط القلم من يدي اشاهده يسبح في البحر وكانت العوائل آنذاك في جدة ترسل أولادها للقاهرة من أجل الدراسة وارسلني والدي أنا وأخي إلى حلوان وفجأة كان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والوالدة خافت علينا وامرت بعودتنا لنسجل في مدارس الفلاح.
امتازت مدارس الفلاح عن بقية مدارس جدة بوجود دروس سلاح الشيش وهو المبارزة بالسيف والمصارعة اليابانية والمسرح وساهمت في تنظيم حفل كبير للملك سعود، رحمه الله، بمناسبة توليه عرش البلاد في ذكرى البيعة ثم اكملت دراستي في الرياض جامعة الملك سعود.
• ما هي أول وظيفة لك؟
– تم تعييني كمدرس بمدارس الثغر بجدة وأنا أول مدرس سعودي كيميائي يدرس المواد العلمية حيث كان وقتها جميع المدرسين من الأخوة العرب من مصر والسودان وفلسطين وقد طلبت نقلي من الرياض إلى جدة وكان الأمير محمد العبدالله الفيصل وكيل وزارة المعارف لكنه اشترط أن احسن بعض الألعاب بالنادي الأهلي بعد ان عرف انني أهلاوي واشجع النادي الأهلي وفعلا ساهمت قبل أن يتولى الأمير خالد بن عبدالله بن عبدالعزيز رئاسة النادي الأهلي الذي بدوره ساهم بشكل كبير في تحقيق البطولات للألعاب المختلفة محليا وعربيا وخليجيا ثم اصبحت عضو شرف في النادي الأهلي وكانت الوزارة ترسل الموظفين والطلاب للابتعاث للخارج واتصلت بالأمير محمد العبدالله الفيصل، رحمه الله، وارسلني إلى إدارة البعثات وكان يرأسها الأمير فهد بن خالد بن فهد وتعرفت عليه عندما كنت ضمن الجوالة فقد كان يرأس الحركة الكشفية آنذاك.
• ماذا استفدت من الابتعاث؟
– كان ابتعاثي لتكملة الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية وكانت الاستفادة كبيرة وكثيرة ومنها تعلمت يجب أن يكون الطالب المبتعث قدوة ولا يعتبر الطالب نفسه داعية إسلامي عليه بذات شخصه ثم رجعت للعمل الوظيفي مرة ثانية.
• كيف كان عملك في الاستخبارات؟
– قبل أن أعمل في الاستخبارات مع الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز كنت أعمل في مكتب الاتصالات الذي أسسه الملك فيصل، رحمه الله، ومدير المكتب كمال أدهم زوج شقيقتي وكانت هوايتي التصوير وجمع الصور وأعرف كسر الشفرة.
وأخي سعيد أراد أن يكمل دراسته وكان يعمل في مكتب الأمير تركي الفيصل ولكن الأمير قال له لابد من بديل لك وليكن أخاك أحمد وعندما بدأت العمل الوظيفي في جهاز الاستخبارات العامة قلت للأمير تركي الفيصل:” هل هذا الجهاز يعمل مثل الدول الأخرى للقبض على المواطنين والايقاع بهم؟”.
قال لي الأمير تركي أنا جئت لكي أغير هذه المفاهيم، ومملكتنا الغالية تنعم ولله الحمد بنعمة الأمن والأمان حتى صارت مضرب الأمثال في الأمن. المهم غيرنا المفاهيم وألغينا السجن الاستخباراتي وحولنا جهاز الاستخبارات العامة إلى جهاز للمعلومات وليس مثل الدول الأخرى التي تهدم حياة مواطنيها وصار جهازاً متطوراً ويواكب النهضة الشاملة التي تعيشها بلادنا والجميع ينعم بنعمة الأمن والأمان ولله الحمد.
• وكيف كان دوامك في العمل بالاستخبارات العامة؟
– كان العمل شاقاً لكن حب الوطن أقوى من كل شيء كنت أذهب للدراسة للعمل في الصباح ثم ارجع للبيت للغداء استراحة نصف ساعة فقط وأعود للعمل مرة أخرى وأحيانا اغادر للعمل في منتصف الليل إذا تطلب الأمر وأيام صدام حسين وغزو الكويت كنا لا نغادر مكاتبنا وعملنا بجد واجتهاد من أجل الوطن الغالي.
• وماذا كان شعارك؟
– ان تعمل الخير وتأخذ الراتب على قدر العمل ومخافة الله والتمسك بالمبادئ والقيم وأداء الصلوات في أوقاتها وعملت لمدة عشرين عاما في جهاز الاستخبارات كمدير لمكتب الأمير تركي الفيصل.
• وماذا تعلمت منه؟
– تعلمت من الأمير تركي اخلاقيات الملوك والسعي لعمل الخير للغير بعد ذلك تفرغت للعمل الحر وصنعت من لا شيء أشياء كثيرة لكن لا فائدة منها ما لم يكمل الأولاد المسيرة ولله الحمد أراهم سائرين في درب النجاح والأهم عمل الخير للغير.
درس لا أنساه:
• وماذا تعلمت من الحياة العملية؟
– تعلمت درساً لن انساه كلفني أحد الشيوخ أن اشتري له شقة في لندن ثم وجدت شقة وطلب صاحبها مليون فرنك مقدما واتصلت بالبنك الذي اتعامل معه أن يشتري لي مبلغ 11 مليون فرنك كي أدفع المليون مقدما وعندما رجعت إلى جدة قال الشيخ الذي كلفني بشراء الشقة “هوونا” أي تراجعنا ولكن الأهم اتصلت بي مديرة البنك وقالت لي العشرة ملايين فرنك خاصتك صارت 14 مليون فرنك. مما زادني في الطمع لأعمل بالبورصة ووضعت ثروتي بالبورصة وتجارة العملات.
عاملوني في بلجيكا كأني مريض نفساني:
• موقف لن تنساه؟
– في بدايتي عملي الحر وفي عام 1987 كنت اقضي الإجازة بالمغرب مع عائلتي وأولادي وبلغ رصيدي بالبورصة 165 مليون وفجأة جاءني اتصال من البنك انني خسرت في البورصة جميع المبلغ وعلي دين لهم 250 ألف ومرضت وشعرت بسخونة ودرجة حرارتي ارتفعت في يوم واحد وبين عشية وضحاها خسرت مبلغاً كبيراً واحتار الأطباء في نوعية مرضي وسافرت إلى بلجيكا لتلقي العلاج والخروج من الصدمة وجلست عشرة أيام في المستشفى وعاملوني مثل المريض النفساني وقالوا لي أمشي على قدميك وقل عشر مرات سوف أحقق النجاح من جديد. ولكن تعلمت أن لا أضع كل ثروتي في سلة واحدة وأن الإنسان مهما سعى رزقه سوف يأتيه والمكتوب له.
• كم ثروتك حاليا؟
– ثروتي لا تقدر بثمن لأن الثروة الحقيقية هم أصدقائي ولا استطيع أن اقدرهم بثمن.
• ما هي آخر مشاريعك؟
– مشاريع كثيرة لكن كنت أحلم بمشروع لم احققه حتى الآن كانت تزعجني الوايتات وهي تسير في شوارع جدة محملة بمياه المجاري. وسافرت إلى مصر واخذت دورة لمعالجة مياه المجاري ثم إلى لندن وعندما عدت لعمل المشروع صدمت أن موظفي البلدية أخذوا أفكاري ليعملوا بها هم.
وكان عندي مشروع المنتج البحري وأن نبيعه وهو على الورق “الخرائط” ولكن قمنا بالعمل والبناء.
جدة معشوقتي والمملكة في قلبي وافتخر أنني عملت المشروع واتبعته بمسرح كبير لأن المسرح أبو الفنون وبعد عشرين عاما بدأ الكل يطلب المسرح وانتعش وهدفي هو أن يقضي الشباب أوقات فراغهم فيما يعود عليهم بالنفع.

أرجو ان ترسلوا سلامي الى الاستاذ باديب . هو طبعاً لن يتذكرني . فانا كنت ضمن الفريق الطبي خلال فترة تعافيه في بلجيكا. مع تمنياتي له بدوام الصحة والعافية والنجاح .