بقلم/ أ. د. عبدالإله عبدالعــــزيز باناجه
مدينة لا تعرف إلا الحياة.. نهارها سعي دءوب ليلها صبحة وسمر، ومهما نسيت لا أنسى أيام الطفولة الجميلة، وأنا أزهو بصحبة أبي في شوارعها، يلتقي عم فلان، ونلقي السلام على عم فلان، وآه وأف آه، لو خرجت بمفردي وأنا صغير أشدو بأغنية يا عم يا جّمال، تكاثر عليَّ أعمامي هؤلاء وردوني إلى بيتي.
جدة مدينة الهدوء والصخب.. مدينة الراحة والتعب.. تختال نهاراً بحركتها المستمرة، وتتزين ليلاً بأضوائها الساحرة، ويحتضن شاطئها جلسات العوائل ورغبة في التمتع بنسيم بحرها.
إنها واجهة المملكة بوابتها من جهة الغرب، تفتح ذراعيها لتستقبل سر الحياة، كما قال الله في قرآنه الكريم : (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
لقد صهرت مكة المكرمة زائريها في بوتقة الدين، وصهرت جدة قاطنيها في بوتقة المكان، سكنت أوردتهم، وجرت في دمائهم، فاستحقت أن ينقشوها على قلوبهم، ولا يرون مدينة تماثلها، فقالوا عنها: (جدة غير) وغنوا لها فقالوا: يا شواطئ جدة غن.
اختلف الناس في نطق اسمها وكأنهم أرادوا أن تكون – دائماً – مثار اهتمامهم، ومحل نقاش وجدل بينهم: فعندما فتحوا الجيم، وقالوا جدة ربطوها بأم البشر، أمنا حواء.
وعندما ضموا الجيم، قالوا جدة ربطوها بسر الحياة وهو الماء، فالجدة موضع الماء، وكما جاء في القاموس المحيط: (جدة: موضع بعينه، وهي ساحل البحر بمكة) وها هي ذي تقترن بأطهر بقعة وأقدس مكان، وهذا ما جعل كل طامع من الحكام في التاريخ القديم، أنه إذا أراد أن يكتسب شرعية حكمه بالسيطرة على الحرمين الشريفين – فعليه أن يتمكن من جدة أولاً، وكم قاسيت يا جدة من هؤلاء.
ولكن جدة في منتصف شاطئ البحر الأحمر الشرقي، فقد صارت واسطة عقد الساحل ومركزه، وجوهرته الثمينة التي طمع فيها الكثيرون. فهي مركز سياحي واقتصادي بالغ الأهمية، وصفها الرحالة ناصر خسرو عندما زارها عام 1050م بأنها مدينة كثيرة الخيرات، مزدهرة التجارة باسقة العمران، وأسواقها نظيفة وجيدة.
وفي عصرنا الحاضر صارت جدة – حقيقة – عروس البحر الأحمر بإمكانانها السياحية والاقتصادية والعمرانية ولأن حاضرها لا ينفصل عن ماضيها استحوذ تاريخها على اهتمام كثير من الاكاديميين والمثقفين. ومنهم سعادة الدكتور عدنان عبدالبديع اليافي الذي أخرج لنا هذا الكتاب القيم عن جدة.
والدكتور عدنان من الشخصيات التي لها دور فاعل في الحياة الثقافية المعاصرة، بحكم تنوع خبراته: فقد عمل نائباً لمدير عام مركز أبحاث الحج لمدة عشر سنوات، وكان عضو هيئة تدريس في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ثم في مركز الابحاث بجامعة ام القرى وهو من الخبراء في ابحاث تنظيم الحج ومنهم بالتأريخ للمكان وبجدة على وجه الخصوص.
ومن مؤلفاته: جدة في شذرات الغزاوي – الاسرة العربية النشأة والتكوين – إدارة الحركة في الحج، وقد صدر باللغتين العربية والانجليزية.
وفي هذا الكتاب حاول المؤلف مناقشة قضايا عديدة، تتمحور كلها حول جدة: موقعها – اسمها – سورها – مساجدها – حديث الرحالة عنها – كيف دخلها الإسلام.. وغير ذلك مما له علاقة بهذه المدينة الساحرة الخلابة.
انها وجبة ثقافية منوعة على مائدة جدة، تنادي من يهفوا الى الزاد المعرفي كي يأخذ نصيبه، ويتعرف على مدينة لها في التاريخ جذور وستبقى – بإذن الله تعالى – مزدهرة عامرة تحت راية التوحيد وفي كنف خادم الحرمين الشريفين الذي يوجه دائماً الى ضرورة ان تتبوأ جدة مكانتها اللائقة – عالمياً – على مستوى السياحة والاقتصاد. وسوف يتحقق ذلك – بإذن الله تعالى – على يدي أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير الشاعر خالد الفيصل.
