•• درج على مدارج تلك الأرض الصادقة فاعطته من صدقها قوته.. ومن براءتها – نقاءه – انه أحد “غروساتها” اليافعة التي ما فتئت تقذف بأطائبها.. حتى ظللت الأفياء.
كان شاباً ارتبط بوالده فأعطاه قيمة الرجولة وصدق الموقف كأنه آتٍ من تلك العصور المضمخة بعطور الرجولة والصمود في وجه العوادي كان شاباً رغم عشرينياته الأولى إلا أن تطلعاته كانت تسبق تلك السنوات بعشرات السنين فتجاوزها بكل ما كانت تحمله من اغراءات الشباب ولهوهم بل وحتى نزواتهم الصاخبة كان وقوراً كواحد لم يعرف طريقاً إلا وقار الشيوخ وحذرهم من كل ما هو خاطئ.
لقد صبغت نفسيته تلك الحيوية – العربية – التي كانت تتغلغل في داخله حتى انعكس ذلك في شعره الذي لم تأخذه فورة الشباب ويذهب الى مدارس شعرية حديثة اطلق عليها – الحداثة – فالتزم بقواعد الشعر الأصيل في انطلاقاته وفي طرحه.. ومعانيه ولم تأخذه تلك – الموجة – الصاخبة.. وهو في تلك السن المغرية للدخول في أجوائها وأخذ مكانه في صدارتها والنعيم ببهرجها وجعله أحد الأصوات الواعدة المثيرة في سماء تلك المرحلة الطاغية أيامها. لو أراد ذلك
لقد بنى قواعده – الشعرية – على أسس من المتانة – التراثية – التي أعطته بعداً وثيقاً من الجدة.. والحداثة معاً تلك الحداثة التي تعنى بقضايا الأمة.. لا حداثة الشكل لم يتأثر بتلك الحملة الشعواء التي لقيها من بعض أساطين الحداثة ومتغلغليها مع الأسف.
إنني احدثكم عن ذلك الانسان النبيل ذلك الابن الشهم لذلك الوالد المغوار في الرجولة والكرم : انني احدثكم عن ذلك الانسان ذو النظرة البعيدة لمعنى الشهامة والرجولة، انه واحد من اولئك الفرسان في الزمن القديم الذين يتفوقون على كل ظروفهم في سبيل ان يقدم أحدهم جزءاً من “نبل” وجزءاً من عمل خلاق، انه أحد فرسان هذا العصر الذي تكاد تخلو منه الفروسية، لكنه استطاع ان يقول لنا ابداً لم تنته الفروسية ولا الفرسان انه ذلك الرجل “المزكوم” رجولة وبهاء باصراره كانت عفوية الفلاح وبراءته تشكل اساً في حياته “فتفليح” قدميه دبغتها “تربة” ذلك البستان فاعطاها قدرة الصمود والوقوف على شوك حوافي الحياض التي نبتت فيها كل أنواع النباتات فضمخت أرجاءها برائحة الفاغية وبعطر النرجس وعبق الفل والريحان فاعطى كل ذلك لديه شيئاً من الذهاب الى أماكن الصحو والشموخ.
لهذا عندما تراه تتوقف أمام شخصية لها من مدلولات – الرجولة – أبرزها.. كل ذلك اعطاه الاعتداد برأيه والذهاب الى آخر الشوط غير مكترث بكل عواقب ما أصر عليه متحملاً نتيجته في قوة وايمان.
انه “عبدالمحسن بن حليت بن مسلم” الذي أعطى من “نبله” درساً نبيلاً لكثيرين ممن يعتقدون معنى النبل والرجولة.
إن عبدالمحسن واحد من عصر “غابر” كان عنده للوقوف بجانب المكلوم مكانه، لهذا كان محل إعجاب وتقدير كل من عرفه، إنه يأتي دائماً حاملاً بين جنبيه روح الرجولة بمعناها الواسع والدقيق.
إنه ابن ذلك الشيخ الكبير حليت مسلم وكفى.
تفلحت قدماه في أرض العطاء
