المنبر

تحديات الإنترنت كيف ينبغي أن نواجهها

شكَّل تطور وسائل الاتصال المعلوماتي باستخدام الإنترنت – على نحو لم يكن مألوفًا من قبلُ، وبالسرعة الفائقة التي نشهدها اليوم – ثورة كبرى في عالم الاتصال الرقمي، غَزَت كل مناحي الحياة المعاصرة تقريبًا.
ولاشك أن الشبكة العنكبوتية – كمنجز حضاري عصري – قد وفرت للجمهور خدمات كثيرة ومتنوعة؛ حيث أصبح بالإمكان الآن: دفع فواتير الحساب عن طريق الإنترنت، وكذلك القيام بعمليات التسوق، والمتاجرة الإلكترونية، ومشاهدة مقاطع الفيديو، والاستماع إلى الموسيقا، والدردشة بالصوت والصورة، واستخدام خدمة البريد الإلكتروني لتبادل الرسائل بين الأفراد بشكل سريع، تجاوز كل حدود الحدود الجغرافية، والحواجز الطبيعية الأخرى.
وهي إيجابيات تحسب للفضاء المعلوماتي يقينًا، إذا ما تم استخدمه على نحو رشيد، يوظف لصالح ترسيخ قِيَم المجتمع الفاضلة والمعاني النبيلة.
ومع غزو الإنترنت لفضاءات مجتمعنا، وتغلغها في مختلف مفاصله،بدأنا نفقد تدريجيًّا آصرة اللقاء المباشر وجهًا لوجه، مع مَن نخاطبهم من الناس، واستبدلنا لقاءاتنا المباشرة الحميمة بغرف الدردشة، والمشاركة بالتغريد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وكلما ترسَّخت ظاهرة الالتصاق بالإنترنت، وطال أمد جلوس المتصفح في غرف الدردشة والتواصل الاجتماعي، بأسلوب يقترب من حالة الإدمان على التعاطي مع تلك الكينونات المعلوماتية – تفاقمت لديه ظاهرة الانعزال، وتعمَّق لديه سلوك الوحدة المُوحِش؛ حيث يحصل له انفصال اجتماعي حقيقي؛ سواء على مستوى الأسرة الواحدة في المنزل الواحد، أو على مستوى المجتمع في البيئة الجمعية؛ فلا يكون هناك حوار، أو مناقشة، أو تبادل آراء ملموس، بل نجد أن كل شخص مشغول مع الجهاز الذي يخصه، ولا يتحدث مع مَن معه في المكان الواحد.وواضح للجميع ما لهذه السلبيات من انعكاسات اجتماعية سلبية على البيئة المجتمعية، في المدَيَيْن: القريب والبعيد.
وبهذه السلبيات الحادة، شكَّل الإنترنت- كمنفذ مضاف لدخول الغزو الغربي إلى بيئتنا -تحديًا تكنولوجيًّا معرفيًّا جديدًا، يضاف إلى تحديات الغزو الحضاري المُعَوْلَم لبيئتنا؛ فنشأت بذلك التحدي الجديد ثقافة جديدة، بمعطيات طارئة ودخيلة، وبمصطلحات جديدة، وهذا بالطبع سيؤثر بشكل كبير على ثقافة الجيل الجديد؛حيث سيبدؤون بالانسلاخ التدريجي من فضاءات الأبوة التقليدية، ويغادرون مدارات الأمومة البيتية والاجتماعية؛ إذ مع وجود الإنترنت، ستعزز لديهم سلوكيات العزلة عن هُوِيَّة الأسرة؛لأنهم سيتبنون عناصر الثقافة الجديدة بكل منعكساتها.
ومن هنا سيكون الإنترنت قد اكتسح المكانة الروحية والاعتبارية للأب والأم، كأحد أهم دعامات الأصالة، الأمر الذي يحمل في طياته مخاطر مسخ الهُوِيَّة الوطنية، وإشاعة القيَم الغربية العالمية بدلاً منها.
ويأتي تدفُّق الصور الإباحية الجامح، عبر هذا الفضاء المعلوماتي المفتوح في كل الاتجاهات بلا قيود، ليضيف عنصرًا جديدًا من التحدي الخطير لثقافة الجيل، يتمثل في جذب الأبناء الذين يجدون أن ما كان يتعذر عليهم مشاهدته من محظورات سابقًا، قد أصبح الآن متاحًا لهم بحرية مطلقة، بمجرد «نقرة زِر» لا أكثر.
ولعل الجميع بات يشعر بعمق التحدي وخطورته، بعد أن اكتشفوا أن هناك قوة افتراضية تريد انتزاع أبنائهم منهم عَنْوَة، لاسيما بعدما تبيَّن لهم أن الإنترنت بسرعة تدفق موارده، وسهولة إتاحته للاستخدام الميسر -لا يحتاج إلى مقص الرقيب، وبالتالي فإن المستخدمين من الشباب أو الفتيات، لم يعد يقف أمام دخولهم من المنزل إلى شبكة الإنترنت مباشرة، سوى ثقافة الأهل والمجتمع، كحاجز أخلاقي وقيمي ينظم هذا الدخول، ويرسم الحدود الخضراء المسموح بها، والحمراء غير المسموح بالاقتراب منها، التي ينبغي ألا يغالي في تضييقها بشكل مبالغ فيه، إلى الحد الذي يحرمهم من العوائد الإيجابية لهذا الوافد الحضاري المتدفق، ويستنبت -بذريعة الحرص على القيم الموروثة -أمية معلوماتية، لا يقل خطر تفشِّيها بينهم عن سلبيات الاستخدام المفتوح بدون ضوابط.
نايف عبوش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *