الأرشيف الاسلامية

بـــــــــــلاغ لمن يتدبر .. «الإسلام الدين الحق .. لخــــلاص الخلق»

ذكرنا في الحلقة السابقة التحديات التي واجهت الأمة العربية وانطلاقات الدفاع عن الذات والأرض والعقيدة والثقافة والسعي للحاق بركب الحضارة الحديثة بما توفر لنا من إمكانات ونستكمل اليوم بقية المقال.
وإليكم بعض تلك القيم أو تلك الاتجاهات كما يعكسها شعرهم وهو يمثل حياتهم أصدق تمثيل وأن قيمة المرء بشرفه لا بماله:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه
خلق وجيب قميصه مرقوع
ذلك أن المال في نظره عرض زائل ووديعة مستردة..
أماوي أن المال غاد ورائح
ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
ولكن العربي لا يزهد بالمال لأن المال وسيلة لعمل المعروف وحماية النفس والذود عن الشرف والعرض والكرامة وليس جمعه غاية لذاته:
وقد علم الأقوام لو أن حاتما
أراد ثراء المال كان له وفر
فإني لا آلو بمالي صنيعة
فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويأكل طيباً
وما أن تعريه القداح ولا الخمر
ويقول الآخر:
وأجعل أموالي لعرضي جنة..
ويقول آخر واصفا الفرق بين استعمال المال في موضعه وبين الطمع والشح:
ونقي بآمن مالنا أحسابنا
ونكف شح نفوسنا في المطمع
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا
زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
ولذلك يفضل عيش الكرامة مع الفقر أو الموت.
فعش معدماً أو مت كريماً فإنني
أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه
والعربي أقدر الناس على أن يفهم عمق الحكمتين العظيمتين \"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان\" و \"تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن اعطي رضي وان لم يعط لم يرض\". والأولى حكمة قالها المسيح عيسى والثانية من قول الرسول محمد عليهما الصلاة والسلام.
ذلك أنه كان يحتقر من يكون همه في الحياة وغايته الطعام والشراب والملبس أو المال بل كان صعاليك العرب وهم خير من أشراف الأمم اليوم لا يقبلون لأنفسهم هذه الفلسفة.. يقول عروة بن الورد وهو من الشعراء الصعاليك:
لحا الله صعلوكاً مناه وهمه
من العيش أن يلقي لبوساً ومطعماً
ولله صعلوك يساور همه
ويمضي على الأحداث والدهر مقدماً
لم تكن فلسفة العربي في يوم من الأيام فلسفة البطن والمعدة حتى في جاهليته لأنه كان يحتقر هذه الفلسفة وليس معنى ذلك طبعاً أنه كفقراء الهند ورهبان البوذية لا يسعى لملء بطنه الجائع ولو بالقوة اذا اقتضى الأمر فالعربي لم يكن يقبل فلسفة الفقر ولم يكن يرضى بالمعيشة الدنيا:
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة
ولا في بيوت الحي بالمتولج
لأن المال عنده وسيلة لغايات كريمة.. يقول عروة أيضاً:
دعيني أطوف في البلاد لعلني
أفيد غنى فيه لذي الحق محمل
أليس عظيماً أن تلم ملمة
وليس علينا في الحقوق معول
يريد أن يكون غنياً لا ليملأ البطون ولا لينال الرغيف ولكن ليقيم الحق ويعين الضعفاء لذلك لا يبطره الغني لأنه لا يرى فيه شرفا ولا بذلة الفقر لأن المال لا يكسب صاحبه شرفاً ولكن العمل الطيب هو الذي يزينه:
شربنا بكاس الفقر يوما وبالغنى
وما منهما إلا سقانا به الدهر
لما زادنا بغياً على ذي قرابة
غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
ولم تكن كذلك شهوته الجنسية وسائر الشهوات المادية مسيرة له في حياته بل كانت العفة وحفظ الأنساب والأعراض أمراً اساسيّاً في الحياة:
قال الأعشى:
لا يهتك الستر عن أنثى يطالعها
ولا يشد إلى جاراته النظرا
وقال حاتم:
وما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي
لمن يجاورني أن لا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة
وفي السمع مني عن حديثهم وقر
وقال عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
واكتفي بما ذكرت للدلالة على ما كان العرب في الجاهلية من مظاهر الاتجاه المثالي في الحياة ولو أردت أن استشهد لسائر هذه المظاهر والمكارم الأخرى كحماية الجار والحليف واستعذاب الموت في سبيل الكرامة والكرم والشجاعة والاحترام والوفاء بالعهود والوعود وغيرها من المكارم لطال بنا القول.
وهذا هو أدبنا الأصيل لا تلك القصص الخليعة الماجنة التي نعيش فيها عالة متطفلين على الأدب الأوروبي اللاسليم.. وهذا الاتجاه المثالي عند العرب في الجاهلية لا ينافي وقوعهم في كثير من الخطأ والاسرف والضلال في اتخاذ الطريق إلى هذه المثالية وفي تحديد المثل الأعلى.. وليس الثأر للقبيلة ووأد البنات عند بعض القبائل وتلاف المال بدافع الكرم والمناصرة بالعصبية والفخر بالآباء والأنساب إلا مظاهر لهذا الخطأ في تحديد الهدف واصابة المثل الأعلى ولكننا اذا وازنا بين هذه الفطرة الصالحة والاستعداد النفسي للحياة الكريمة المثالية ضمن ما كان عند كثير من الامم الاخرى من انكباب على الشهوات واستئثارها بالملذات وانحلال خلقي ومادية طاغية وأخلاق غير انسانية عرفنا الحكمة العظيمة في أنه في هذه البيئة نزلت رسالة الاسلام وعلى صعيد بلادنا العربية تنزلت رسالات سماوية عديدة من ابراهيم عليه الصلاة والسلام التي أسست على التوحيد وانتهت برسالة الاسلام التي رسمت الصورة الكاملة للمثل الأعلى الانساني فكان التجاوب العميق بين الامة العربية ذات النزعة المثالية والفعالية القوية المعطلة إلا في حدود ضيقة.. بين هذه الأمة وتلك الرسالة الالهية المصدر الانسانية الهدف العالمية الأفق اعطاهم الاسلام المثل الأعلى الذي أرادوه وأعطوا هم للإسلام العقل المفكر والنفوس المستجيبة واليد العاملة، أعطاهم المبادئ العامة فأعطوه المادة البشرية والقوة المنفذة وصاغوا من تلك المبادئ حضارة انسانية نموذجية هي الشكل الحي المجسد لتلك المبادئ.. فكان لها قوة انتشار في العالم مزدوجة باتجاهها الانساني العام في أصلها وبالصورة التي طبقت فيها وجسدت في حياة عملية قدمها العرب أنفسهم من أتباع الرسول العظيم وتلاميذ النبي العربي من أمثال علي وخديجة وفاطمة وعمر وعائشة وأبي عبيدة وأبي بكر وأبي ذر وأسماء وخالد وسعد وسلمان وأضرابهم وأضرابهن من قدموا وقدمن صورة للإنسان النموذجي وللأسرة المثالية وللحكومة المثالية…
إن ما كان عند العرب من استعدادات ونزعات وامكانيات أظهرها الاسلام واستثمرها لخيرهم وخير الانسانية ووسع أفقها ونقلها من الصعيد القبلي الضيق إلى الصعيد الانساني حتى لم يعد العرب ملكاً لأنفسهم فحسب بل ملكاً للإنسانية ودواء لها ورواداً لشعوبها وقادة لأممها.. وخلاصاً من آلام الحياة الدنيا وسعادة سرمدية في الحياة الأخرى إن التزموا بما أرشدهم إليه رسل الله..
إن المجال الذي فتحه الاسلام للإنسانية أمام العقل ليفكر واليد لتعمل وتستثمر والنفس لتسمو وترتقي من واقعها الأرضي المتقلب إلى الكمال الإلهي الأزلي ان ذلك كله كان لا بد له من معلم يفهم فيحسن الفهم ويتمثل فيحسن التمثل ويطبق فيحسن التطبيق وكان هذا المعلم \"الأمة العربية\"..
إن في تاريخ البشرية ظاهرة عامة يجب دوماً أن تلفت نظرنا وهي ظاهرة التفاعل بين المبادئ والشعوب ولذلك كان من المهم جدا تتبع الفهم العربي الاول للاسلام وجعله مصدرا اساسيا لتفسيره ويرى الشاعر الاسلامي الهندي \"محمد اقبال\" ان العقل العربي كان أقوى على استساغة الاسلام استساغة صحيحة وأجدر بحمل أمانته وانه اصيب الكثير من اتباع الاسلام بما اصيب به الكثير من اتباع المسيحية وكان الشاعر الهندي العظيم يعجب بالشعر الجاهلي القديم، يعجب بصدقه وواقعيته وما يشتمل عليه من معاني البطولة والفروسية..
لقد تلاحقت الموجات الروحية على صعيد بلادنا يؤكد بعضها بعضا ويتمم بعضها بعضا فقد تنزلت في أرض العرب ديانة ابراهيم عليه الصلاة والسلام وهي الديانة التي دعت إلى التوحيد ووطدت دعائمه فكانت القاعدة الأولى القديمة والمستقر الأول لعقائد العرب وأخلاقها.. وتنزلت ديانة موسى عليه الصلاة والسلام.
وبعد أن بعث الله المسيح عليه الصلاة والسلام بتعاليم النصرانية في فلسطين وصلت اصداؤها إلى العرب فدان فريق منهم بها.. ولما ظهر الاسلام مصدقا لما بين يديه من النبوات والكتب ومجدداً لملة ابراهيم التي توالت بعدها الديانات والمثل الروحية والمبادئ الخلقية وتلاحقت وكان صعيد بلادنا مسقطها ومستودعها ومجتمعها ظهرت فيه مجتمعة متعاونة مشتركة في جوهر العقيدة النظرة الاساسية إلى الوجود وذلك بربط الانسان روحه ونفسه عقله وغريزته بالله الخالق.. خالق الناس أجمعين فالخلق كلهم عباد لله.. ومن هنا كانت الفكرة الإنسانية والمسؤولية أمام الله الخالق اساس هذه الديانات في عقائدها وكانت معاملة الناس على أنهم مخلوقات الله وعباده يتساوون في عبادة الله الأحد في عقيدة الايمان بالله والمسؤولية في الحياة الآخرة أساس التعاليم الاخلاقية المشتركة بين خلق الله سبحانه في الأرض..
لقد ارتبطت مكارم الأخلاق عند العرب وتفضيل القيم الخلقية عندهم بأساس عقائدي عميق الجذور في نفوسهم منذ عصور بعيدة جداً ولذلك كانت الوثنية دخيلة طارئة على العرب في فترات قصيرة قليلة من حياتهم وكان الإلحاد كذلك بعيداً عنهم لا يظهر في تاريخهم إلا مقترناً بالشعوبية الحاقدة على العرب.. فالعربي سواء أكان على دين ابراهيم أو كان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مسلماً كان دوماً مؤمناً بالله إيماناً عميقاً تصله به الطبيعة التي يعيش في أحضانها ولا تفصله عنه ولا تحجبه الوسائط ولا الخرافات والأساطير ويشعر في أعماق ضميره بالمسؤولية أمامه فيوقظ الإيمان ضميره ويرهف حسه الخلقي.
ولا شك أن المثل الروحية سماوية مقدسة لخير الإنسانية عامة ومن هنا كانت قيمتها وليست محصورة بالعرب – ومعاذ الله أن ننكر ذلك – ولكن هذه المثل الروحية توضعت على صعيد بلادنا، وتوطدت ورسخت واتخذت لها جذوراً اكثر من أي صعيد آخر.. لقد وجدت فيه أحسن صور تطبيقها وأروعها وأقواها وأكثرها توازناً وواقعية.
لقد شهد الصعيد العربي مولدها وبعث صوتها كلما خفت، وأوقد شعلتها كلما خبت وعاصرها طويلا وتجاوب معها ومنه كان انطلاقها وإليه كان موئلها واعتصامها.
وشحب لونها وهزلت في العصور التي غاب فيها العربي عن الاشراف والقيادة وتولى حراستها غيره فاصابها التشويه والانحراف..
ولقد كانت معارك الأمة العربية الكبرى معارك يكون فيها الخصم دوماً عدو القيم الخلفية والمثل الروحية ويقف العرب دوماً مدافعين عنها.. ألم يشد القرآن بشهداء النصرانية في سبيل العقيدة والايمان الذين كانوا يحرقون في الاخاديد؟
(قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا يؤمنوا بالله العزيز الحميد).
ألم يبشر القرآن المؤمنين بانتصار الايمان والمثل الروحية على المجوسية؟
(الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم).
وهل كانت معارك الفتوح الاولى في الاسلام الا في سبيل تحرير البشر من ان يستعبد بعضهم بعضاً وتحريرهم من الظلم؟ فكانت مضرب الامثال.. في انسانيتها في وصاياها وفي تطبيقها للحقوق والحرمات والحريات ولذلك لم تزل اثارها باقية حتى يومنا هذا رغم خروج الفاتحين من افغانستان وباكستان وايران وروسيا وتركيا وغيرها حيث لا تزال الثقافة العربية واللغة العربية والمثل الروحية التي حملها العرب ولا يزال اهل تلك البلاد يعتزون بها رغم انه لم يبق للعرب فيها اي نفوذ سياسي ومعاركنا مع المغول والتتار لم تكن الا معارك بين معالم الحضارة ومؤسساتها وقيمها الانسانية من جهة والهمجية البدائية من جهة اخرى.
ومعاركنا مع اوروبا قديما وحديثا هي من هذا النوع كذلك فمعاركنا مع اوروبا في الحروب الصليبية هي معارك بين شعوب لا تزال الهمجية غالبة عليها ولم يكن لها من المسيحية الا الرداء الظاهر والصبغة الخارجية ومعاركنا الجديدة معها سواء في الحرب او السلم هي معارك مع وثنيتها الجديدة مع الرأسمالية والنفعية والجشع المادي والتميز العنصري والاستعلاء القومي او مع مذاهبها المادية الاخرى في صورها الاشتراكية التي تطرد من الحياة الانسانية كل نسمة روحية او نفحة إلهية او عاطفية انسانية ولا تحسب الحساب الا للانتاج ووفرته وطريقة توزيعه فالانسان فيها حيوان منتج ومستهلك وحسب وليست عقائده ولا اخلاقه ولا آدابه وفنونه الا خادما للانتاج والاستهلاك او منبثقا عنها ومع ذلك فاننا اذا جافينا المذاهب المادية فاننا لا نتقاتل مع اصحابها الا اذا قاتلونا ومنعونا حقنا في ارضنا وعقائدنا وانفسنا واوطاننا.
ان معركة بناء كياننا الاسلامي وبعثه من جديد ليست الا ضد الظلم والشر والباطل وانتصارا للحرية والعدالة والخير والحق.. ان معركة بناء كياننا الاسلامي وبعثه من جديد غايات بعيدة واهدافا عليا من ورائها انها غايات انسانية واهداف خلقية.. ان في قوتنا ووحدتنا وتحرر وجودنا كمسلمين خدمة للانسانية جميعا فصعيد بلادنا العربية بتراثه العريق واستعداده الاصيل معقل الانسانية والاهداف الخلقية بما استقر فيه من ايمان عميق بالله ورسالاته وضمير يقظ حساس وفطرة سليمة.. وبسابقته التي اثبت فيها خلال فترة من الزمن طالت او قصرت.. ان الحضارة بدوافعها النفسية وبواعثها الاعتقادية ونتائجها الانسانية اكثر مما هي بنظمها..
ان الروح الانسانية العميقة تنتج نظما خلاقة عادلة ولكن النظم الرأسمالية والنظم الاشتراكية المادية التي جاءت بها اوروبا بمعسكريها لم تنتج عواطف انسانية.. ان الروح الاسلامية استطاعت ان تخلق نفوسا تطبق الاخاء والتعاون والفداء في سبيل المجموع وتسير في الخط الذي رسمه تشريعه من غير تعقيد.. ولم تستطع الانظمة الاشتراكية المعقدة والقوانين الرأسمالية الملزمة الزاجرة ان تولد العواطف في النفوس وتغير اخلاق الانسان وتهذب غرائزه وعواطفه.. ولذلك فإن لمعاركنا اليوم صدى عالميّاً لعظيم مغزاها.
ان العالم اليوم بحاجة الينا.. بحاجة الى هذا التراث الذي نحرسه ونحن الاوصياء عليه.. ان العالم بحاجة الى العرب المسلمين حقّاً اما العالم الشرقي فليصحح له العرب المسلمون حقّاً ما شوهه من تعاليم الاسلام وما غير من معالمه ودثر من قيمه.. واما العالم الغربي فلنعد اليه روح الايمان وقد نسيها كذلك وشوهها بل مسخها وقلبها ثم طردها بعد ذلك من ارضه.. ولنخرجه من حمى المادية وحمأة الطين التي غاص فيها.
إن هذا الصوت قد خرج من الشرق في اوائل القرن المنصرم وفي السنين الاخيرة منه من مسلمي العرب ونصاراهم.
اما ميخائيل نعيمة فيقول \"واها لهذا الشرق ما اضعف ذاكرته واوهن قلبه.. سرعان ما نسي ميراثه وسرعان ما تخلى عن سلاحه الذي لا يفل ليستبدل به سلاحاص يتآكله الصدأ.. كم كنت اتمنى لو يسترد ميراثه وسلاحه.. لعله يستطيع ان يرد العالم الى رشده بدلاً من ان يفقد هو الآخر رشده في عالم جن جنونه.
لئن أحسن الغرب توجيه العقل البشري وتدريبه وتنظيمه حتى بلغ به ما بلغ من بعيد الشأو في دنيا الصناعات والعلوم والفنون فقد اهمل القلب كل الاهمال والقلب هو مهب العواصف التي تعبث بنتاج العقل.. ومصدر السموم التي تفسد على الناس الاستمتاع بذلك النتاج.
وفي موضع آخر يقول: \"اما معجزة العرب الكبرى فهي القرآن.. وهي وحدها التي تستطيع ان تجعل من العرب قوة اين منها قوة الاساطيل البرية والبحرية والجوية والقنابل الجهنمية.. واين منها قوة المال والرجال فالاساطيل للصدأ والرجال للموت والمال للزوال اما معجزة القرآن فللبقاء.. ذلك انها اقامت للعرب ولغير العرب هدفاً من حياتهم وكانوا بغير هدف، واختطت طريقا لهم الى الهدف وكانوا بغير طريق.. وما اكتفت بأن اقامت لهم هدفاً واختطت طريقاً بل انها برهنت لهم بحياة النبي وصحبه ان ذلك الهدف مستطاع بلوغه على مر سار في الطريق..
ويقول ايضا فيلا سبازا المستشرق الاسباني: ليس في طاقتنا نحن الاندلسيين المعتنقين بايمان ثابت دين المسيحية ان نجحد دين الاسلام دين اسلافنا فلئن كان الاول مستقرا في ضمائرنا فان الثاني اي الاسلام ما برح مستقرا في نظرة قوميتنا المزدانة بالبدائع كما اننا لو انتزعنا بعض الالوان التي موهت جدران كنائسنا نجد وراءها لمعاً مذهبة لاسم الله الصمد محفوراً بالكوفية.
فاننا لو خدشنا بشرتنا الاوروبية الصفراء لبرز لنا من تحتها لون بشرة العرب السمراء.. فما قوميتنا الغربية الا العرض الظاهر اما حقيقتنا الخالدة فهي القومية الشرقية\" ولكن فليكس فارس يعلق على ما قاله المستشرق \"فيلا سبازا\" اذ فصل بين الاسلام والمسيحية بقوله: \"ولأقف هنا امام هذا الشاعر الكبير الذي يرى المسيحية مستقرة في ضميره والاسلام مستقراء في فطرته لأقول له: انه بالرغم من ادراكه ان الغرب قد بدل فلسفته المسيحية لم يتمكن من ايصال الاسلام الى ضميره كما انه امتنع عليه ان يبلغ بالمسيحية الى فطرته وبقى النزاع مستحكماً فيه بين الفطرة والضمير لان ثقافته المسيحية لم تزل متأثرة بالاحاجي والمعميات\".
ثم يقول ان هذا الوحي الواحد اصله المنزل من السماء لاصلاح الحياة في ثلاثة ازمان مختلفة لا يتجلى للغريزة الشرقية المستنيرة الا صوتا واحدا تعالى ثلاث مرات داعياً الى المعروف وناهياً عن المنكر وما كان عيسىة مناقضاً لموسى.. ولا كان محمد ناقضاً لعيسى.. اننا لو عرينا حياة المسيحي مما علق من عادات اليونانية وعادات اليهود من الحقد والتسامي وحياة المسلم من عادات الاعاجم حديثي العهد بالاسلام ورجعنا الى الكتب السماوية الوضيئة لصعب علينا ان نعين موضع الفرق بينها وقد جمعها القرآن الحكيم وغيرها من الرسالات المقدسة في ابداع فريد وضمن الله البصير الخبير بعباده حفظ الله هذا الكتاب الآية المعجزة المقدسة الى يوم الدين.. ليكون منهاج نور الهدى في كل زمان ومكان\".
ثم يقول: \"انني اعترف جهاراً انني برغم امكاني تفهم روح الموسيقى الغربية لان امي انشدتها فوق سريري وانا طفل وامي من وطن (جان جاك روسو) مستلهم الشرق في ثورته. انني بالرغم من ذلك لا افهم الموسيقى الغربية الا بدماغي اما اصداء روحي فانها لا تتجاوب الا اذا سمعت في السحر اصوات الاجيال القديمة في امتي تهتف في اعالي المآذن.. حي على الفلاح.. حي على الفلاح.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله..).
اما الصوت الثالث الذي ذكرته لكم فأكتفي ان احيلكم على ما كتب وسطر وكأنه اراد ان يبلغ هذا الصوت الى الغرب فكتب كتبه بالفرنسية ثم ترجمت الى العربية وأعني به الفيلسوف العربي مالك بن نبي الجزائري.. وهو مؤلف كتاب: \"مستقبل الاسلام\".
وكتاب \"وجهة العالم الاسلامي\" وكتاب \"الفكرة الاسيوية الافريقية\" و\"الظاهرة القرآنية\" و\"شروط النهضة\" وكتب ومحاضرات اخرى..
ان خلاصة نظرية مالك بن نبي ان الحضارة الغربية قد آلت الى افلاس.. وشرح هذا شرحاً مفصلاً.. واما ما آل اليه الشرق في عصور انحطاطه فهيكل فارغ وألفاظ جوفاء.. والحضارة اليوم تنتظر ظهور الانسان الجديد الذي رسالته التوفيق بين العلم والضمير، بين الاخلاق والتعامل والطبيعة وما وراء الطبيعة.. ان مالك بن نبي يمثل مرحلة التحرر من التبعية والشعور بالذات بعد الشعور بالنقص.. انه طليعة ورائد!!..
ومع اننا نعيش اليوم في مرحلة التحرر من التبعية السياسية والتي تكون في تاريخنا الحديث الاطار الصحيح للتحرر من التبعية الفكرية والحضارية فلا يزال يعيش الكثيرون من المثقفين العرب على فئات موائد العرب.. ولا يزالون يقفون موقف الذاهل المندهش اما حضارة الغرب موقف التلميذ الصغير امام استاذ كبير.. واما \"مالك بن نبي\" فهو الذي يقف امامنا ليقول اننا سنقف بعد الآن من الغرب موقف الاستاذ من التلميذ.. يكفينا هذا الشعور بالضعف والنقص والطعن في تاريخنا وتراثنا وحضارتنا والقول ان أولئك الذين نهضوا بالانسانية منطلقة رسالاتهم من بلادنا.. من ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وامثالهم عليهم السلام من الانبياء لم يصنعوا شيئاً بالنسبة الى فرويد ونيتشه وماركس وانجلز.
انه قول من يحتقرون انفسهم وامتهم وينكرون الحقيقة ويجهلون ما بعثه هؤلاء الذين سموا بنفوسهم فوق البشر من روح انسانية عميقة ونفحة الهية في اجيال البشرية المتعاقبة.. ان هؤلاء اناس سطحيون من صغار تلاميذ الغرب وان دورهم في حضارتنا الحديثة قد انقضى فهم ليسوا الا نقلة ومقلدين ومترجمين وقد انتهينا من مرحلة النقل والتقليد والترجمة وبدأنا في مرحلة الابداع مرحلة الشعور بالذات.. ومن هنا تفهمون ذلك المغزى البعيد الذي تستمد بلادنا منه معناها وقيمتها.. ان بلادنا هي الدولة الاولى المهيِأة للرسم بالاسلام طريق التحرر المزدوج.. التحرر السياسي والتحرر العقائدي والتحرر الحضاري والتحرر الفكري.. ولذا سيكون لهذه الدولة الاسلامية في كثير من واقعها معنى وصدى عالميا.. اذا تطهرت من بعض الشوائب التي لصقت ببعض افرادها ودنست به من بعض العادات ولوثت به من بعض الموروثات وكل ذلك ليس من الاسلام الذي ينضح بما تحمله سلاله من ذخائر الخير والجمال في أكمل المثالية واسماها وازهاها وأبهاها.
ذلك ان الغرب يفهم اكثر من الكثيرين منا مع الاسف المغزى البعيد للانسان الجديد الذي سينبثق من الحضارة الاسلامية التي تبنيها بلاد نبراسها القرآن وما جاء به رسول الله رسول الرحمة للعالمين كافة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتعبر بذلك عن معنى هو في اغوارنا وفي اعماق نفوسنا وتصل ما بين تاريخنا البعيد الذي بدأ من العربية الاولى قبل الاسلام ثم ازدهر واترقى على العالم بعد الاسلام.. ثم انحدر وانحط في العصور الاخيرة.. ينبغي منذ الآن ان نعرف اين هي حضارة الغرب الحديثة واين نحن الآن.. وماذا نستقبل كما قلت لنعرف هدفنا ونتحكم في ادق واصغر تفصيلات حياتنا.. ولنعي من جديد رسالتنا وان القضية ليست فقط في ان نزيل الادران في بلادنا العربية التي مازالت تحت نيرة. ولكن وظيفتنا ان نطرد كل درن من جذوره نفسه.. ان نحرر الانسانية جميعا ان نحررها في الغرب كما نحررها في الشرق.
اننا نريد ان نرقى بالعالم.. نريد ان نحرر البشرية من نفوسها ومن شهواتها.. لنعيد الى العالم الرخاء والسعادة والعدالة والفضيلة.. والحق والحب..
والسلام والخلاص من الآلام!! وفي نهاية المطاف.. سيدرك من يتدبر قولي بعد تساؤلاتي ان الاسلام الدين الحق.. لخلاص الخلق.. وانه بإمكاننا اذا جسدناه في ذواتنا وواقعنا ان نكون بحق مثاليين مؤهلين جدارى بتسلمنا دفة سفينة العولمة وتقييم مسارها بمنهاج الاسلام المنزل من السماء ورحمة للعالمين لكل مكان.. لكل زمان فنكون امتدادا لخير امة اخرجت للناس، اي ان انسان اليوم سيكون خير انسان اخرج للناس بالاسلام الحق.. انه بلاغ فمن يتدبر؟.. ألا هل بلغت؟.. اللهم فاشهد.

[ALIGN=LEFT]محمد كامل الخجا[/ALIGN]

الأرشيف الاسلامية

بـــــــــــلاغ لمن يتدبر .. «الإسلام الدين الحق .. لخــــلاص الخلق»

[ALIGN=LEFT] محمد كامل الخجا[/ALIGN]

إن المسألة التي اطرحها اليوم هي في الصميم من حياتنا.. وهي المسألة التي تفرض نفسها في كل ناحية من نواحي نهضتنا وتطورنا.
لقد أفاقت الأمة العربية بعد إغفاءة طويلة فوجدت نفسها قد أحيط بها.. وضربت حولها السدود ووضعت في أيديها القيود.. وإذا أرضها مقسمة إلى أقطار ودول، تفصلها الفواصل والحدود، وتراثها الثمين مغشي عليه بالأطمار والغبار.
مررت بالمسجد المحزون أسأله
هل في المصلى أو المحراب مروان؟
فلا الأذان أذان في منارته
إذا تعـــــــــــــــــالى ولا الآذان آذان
فكانت انطلاقات للدفاع عن الذات عن الأرض والنفس والمال والتراث والعقيدة واللغة والثقافة.. انطلاقات متلاحقة للتحرر من الأجنبي الواغل.. من استعماره واحتلاله.. ونفوذه وسلطانه وكان تطلع وجهد للاتصال.. اتصال الأرض بالأرض والحاضر
بالماضي.. اتصال في المكان والزمان لوحدة الأرض.. ووحدة الشخصية عبر الزمان.. والآن وقد قطعنا في بناء كياننا اشواطاً في السير نحو بعث تراثنا الاسلامي مراحل سواء من الوجهة المادية او من الجهة المعنوية.. في إشاعة الفكرة وبعث الوعي وتعميقه في النفس والوجدان.. تواجهنا اسئلة كثيرة ترتسم امامنا وتقطع علينا الطريق وتلح في طلب الجواب.
هل بناء كياننا وبعث تراثنا غاية نقف عندها هي قصارى الجهد ومنتهى الأمل؟ آمل أن وراء ذلك أهدافاً بعيدة وغايات أخرى.
نحن نسعى بجهدنا لنلحق بركب الحضارة الحديثة وتدارك ما كنا فيه من تخلف.. فهل منتهى أملنا أن نكون كإحدى الدول المتمدنة المعروفة؟ وهل يمكن ذلك؟
تذكرني هذه المسألة بمسألة رياضية كانت تطرح علينا حين كنا في المرحلة الثانوية: طائرة تطير في الجو والمسافة بيننا وبينها في لحظة ما معروفة يراد اصابتها بقذيفة فإذا حسبنا سرعة القذيفة والزمن الذي تحتاجه لقطع المسافة الى النقطة التي كانت فيها الطائرة في لحظة ما من الزمن.. وجدنا انفسنا امام مشكلة وهي ان الطائرة ليست ثابتة بل تكون قد قطعت مسافة جديدة اثناء اختراق القذيفة ولذلك يجب ان نحسب الامرين معا سير الطائرة في اتجاه افقي متباعد بسرعة معينة وانطلاق القذيفة بسرعة معينة باتجاه صاعد متقدم في اتجاه الطائرة.. والتقاءهما في نقطة من الفضاء وفي زمن معين.
ان الدول التي نحتذي بها ونتخذها هدفا للوصول ليست ثابتة راكدة بل متحركة تغذ السير وسرعتها متزايدة ايضا فإذا سرنا بسرعتها لم ندركها. فالجسمان المتحركان في اتجاه واحد لا يلحق الثاني منهما الأول إلا اذا كانت السرعة متزايدة غير ثابتة هذا إذا لم يتغير اتجاه السير في هذه الحضارة اذ من الخطأ بل من العبث أن نبحث عن أنفسنا ونهضتنا وحركتنا بنظرة منعزلة فنحن في مجموعة كبيرة تتحرك كلها ولا بد أن نعرف موقعنا منها وأن نرسم حركتنا ونخطط لها ضمن الإطار العالمي والتخطيط العام.
فما هو موقعنا من العالم؟ ما هو موقعنا من الحضارة العالمية؟ أين نضع أنفسنا؟ وما هي امكانياتنا لذلك؟ هل تقتصر القضية على حساب المسافة والسرعة في نظرة كمية؟ ام ان ثمة عامل الكيفية والنوع؟ هل اللحاق بالركب او السبق امر عادي صرف؟ ام ان ثمة وجها آخر للمسألة؟ فقد يكون من الممكن ان نغير الطريق ونخالف في الاتجاه والهدف اذا وجدنا الرائد المتقدم امامنا قد ضل الطريق وأخطأ الوجهة وانحرف عن الهدف.
فبرتراندرسل يقول: ان عناصر الحياة ثلاثة: الغريزة.. والعقل.. والروح.. وان هذه الحضارة الحديثة قد اهتمت بالعنصرين الاولين وهما الغريزة والعقل ولكنها لم تهتم مطلقا بالروح.. ان العقل يرينا ان من الخير ان نفعل كذا ولكن عنصر الروح وحده يمكننا ان نشعر شعورا انسانيا عاطفيا وقلبيا وان نحس بإحساس الآخرين فالعقل والغريزة لا تحلان المشكلة ولابد من انسجام العناصر الثلاثة: الغريزة والعقل والروح وتنميتها تنمية قائمة على الانسجام حتى تسير الحضارة على طريقها السوي وهو يرى ان العالم بحاجة الى فلسفة جديدة على هذا الاساس يجعل غاية الانسان خارج هذه الحياة.
واما الدوس هيكسلي صاحب كتاب الوسائل والغايات يرى ان اكثر شعوب الارض بدلا من ان تقترب نحو المثل الاعلى تتباعد عنه بسرعة، ان التقدم الحقيقي في رأيه هو التقدم في الخير والاحسان وان ما يقابل به الرأي العام في القرن العشرين أخبار الوحشية والتقتيل والصور والأفلام الممثلة لذلك هو شاهد على ان هذه الحضارة لم تكتمل.. ثم يضرب على ذلك امثلة من الكذب المنظم في الدعاية واثارة الحقد والغرور والتهيئة للحرب فيقول: ان الفضيلة والخير لا يمكن ان تنمو وتعم اذا لم تكن النظرة السائدة نظرة قائمة على التوحيد او وحدة الوجود اذا لم يكن ثمة عقيدة يكون فيها البشر عبادا لله.
ان السنين الخمسين الاخيرة كما يقول هكسلي تمثل تقهقرا كبيرا للتوحيد واتجاها نحو الوثنية لقد انصرف الناس عن عبادة إله واحد لعبادة آلهة موضعية كالطبقة الاجتماعية او الفرد والأمة ان عصرنا اذا قسناه بمقياس الرقي الوحيد وجدناه في تأخر واضح فإن تقدم الآليات سريع ولكنه دون تقدم الخير غير مفيد بل اقبح من ذلك انه يقدم ادوات ووسائل ناجحة ولكن للتأخير.
ويضرب هكسلي أمثلة على ذلك من فلاسفة أوروبا ويقول انهم بعيدون عن الحكماء المعروفين بسيرتهم الفاضلة فقد كان (نيتشه) الذي كتب عن الإنسان المتفوق (سوبرمان) عاجزاً عن ضبط شهوته الى تناول المربيات والمعجنات وكلما وصله من بيته شيء منها وهو معتكف في الجبال للعمل.. كلما وصله سلة فيها من اطايب الطعام يأخذ في التهامه يجعله بعد ذلك يستلقي على سريره.
وكان لكنت KANT مثل هذا النهم لأكل المربيات وذعر من المرض والموت حتى لا يجسر على زيارة اصدقائه اذا مرضوا او على الحديث عنهم اذا ماتوا وكان حين تقدمت به السن يدعي نوعا من العصمة.
وكان عند هيجل مثل هذا الغرور بالنفس وعند كثير من اقرانه.
ان امثال هؤلاء نابغون في ناحية.. أغبياء في نواح أخرى.. وهذا الغباء بالطبع ناتج عن الإرادة.. وان النظام التربوي ينمي الذكاء بالنسبة إلى ما هو خارج عن الإنسان لا بالنسبة الى داخله وأما (اندريه جيد) فبعد زيارة زارها عام ست وثلاثين للاتحاد السوفيتي وكان هو الرئيس الفخري للهيئات الشيوعية في فرنسا قال في كتابه (تعقيب على العودة): (أبرز الناس في السلم الاجتماعي من أعلاه إلى أسفله هم اكثرهم عبودية وأدناهم نفساً واشدهم انحناء وأخسهم. وأما الذين ترتفع جباههم فيحصدون او ينفون واحداً بعد الواحد).
وجملة القول في الحضارة الحديثة التي يتولى الغرب بمختلف شعوبه قيادتها انها تقوم على اساس ارتقاء بعض جوانب الحياة الإنسانية دون بعضها الآخر فقد أولت اللذائذ الحسية والمنافع المادية المرتبة الاولى وجعلت العقل خادماً لها ووسيلة لزيادتها.. فلقد رقت بالوسائل ولكنها لا ترتق بالغايات فلا يزال التنافس والصراع في مجالات السلم والحرب قانون هذه الحضارة.. لقد قوى الإنسان وتسلح وأصبح يملك قوة عظيمة ولكن نفسيته لم تتغير ولم ترتق ولم تستطع الحضارة الحديثة ان ترتفع بالإنسان وتنمي عواطفه الإنسانية ووعيه وشعوره الإنساني العام ولا التخفيف من اثرته وانانيته.. واذا كانت توصلت احيانا الى انظمة عادلة فانها لا تستطيع ان تخلق الجو النفسي والخلقي الذين يعين على تطبيقها بدافع من داخل الانسان لا من خارجه فحسب.
لقد ارتقى العقل حتى اغتر بنفسه وتمرد حتى خيل اليه ان الوجود الذي اكتشفه هو من صنعه وبدلا من ان يتواضع حين يرى عظمة الكون وسعة آفاق المجهول بالنسبة الى المعلوم تكبر وطغى فقطع صلته بخالقه وخالق الكون فتأله الإنسان واعتقد في ذاته فتردى الى اسفل السافلين.
ان حضارة اوروبا سائرة بتسارع نحو نوع جديد من الوثنية فهي مادية في اهدافها وغاياتها الفردية والجماعية.. فغاية الفرد اللذة والمتعة، وغاية الجماعة كثرة الانتاج وزيادة المال.. وإنما المذاهب في هذه الحضارة في نوع هذه اللذة وفي اقتسام الانتاج ولقد كان من اكبر ما منيت به اوروبا وحضارتها انحسار المسيحية وتقهقرها امام هذه الوثنية الجديدة.
لقد كانت تعاليم المسيحية الروحية ومبادئها الخلقية تخفف كثيراً مما عند الأوروبيين من ضراوة وشراسة وقد تركت اثرا واضحا في الافكار الانسانية والخلقية ولكنها تراجعت امام هذه الوثنية الجديدة من الديانات.
إن الرجل العادي في اوروبا كما يقول الاستاذ (محمد اسد) ديمقراطيا كان او فاشيا.. رأسماليا كان او اشتراكيا.. عاملا باليد او رجلا فكريا انما يعرف ديناً واحدا وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بانه لا غاية في الحياة غير ان يجعلها الانسان اسهل. اما كنائس هذا الدين فهي: المصانع الضخمة ودور السينما المختبرات الكيماوية ودور الرقص ومراكز توليد الكهرباء، وأما كهنتها فهم رؤساء المصارف والمهندسون والممثلات وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة والطيارون والمبرزون الذين يضربون رقماً قياسيا ونتيجة هذا النهم للقوة والشره للذة ظهور طوائف متنافسة مدججة بالسلاح والاستعدادات الحربية مستعدة لإبادة بعضها بعضاً اذا تصادمت اهواؤها ومصالحها.
ان الحضارة الغربية لا تجحد الله سبحانه وتعالى في شدة وصراحة ولكن ليس في فكرها موقع لله.
ولقد صدق الكواكبي حين قال في كتابه (طبائع الاستبداد): الغربي مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام كأنه لم يبق عندة شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له حضارة الإسلام ومسيحية الشرق.
أقول لقد ارتفعت في الغرب اصوات كثيرة للثورة على القيم والانتصار للمادية في شتى صورها.. وليس امثال رينان، ونيتشه، وفرويد، وماركس، من أدباء ومفكرين وفلاسفة الا دعاة لهذا الدين الجديد ولا يزال مريدوهم يكثرون وانصارهم يزيدون ومذاهبهم تنتشر.
بل اني اذهب الى ابعد من ذلك فاقول ان اوروبا في عصورها السالفة حين تقبلت المسيحية ودانت بها لم تحسن فهمها وتمثلها.. ولئن استفادت هي من المسيحية خلقا وروحاً فلقد اضرت هي بالمسيحية اذ شوهت الكثير من معالمها وعكست عليها وثنيتها القديمة الموروثة عن الرومان واليونان واوروبا حين قاتلتنا في الحروب الصليبية لم تقاتلنا بما عندها من تعاليم المسيح ولكن برواسب وثنيتها الموروثة، وطباعها الوحشية غير المصقولة، وليست جميع حروب الاستعمار ومآسيه وحروب التحرير كما يريد الشيوعيون ان يسموا حروبهم واهوالها وصراع الشعوب والطبقات الا ثمرة من ثمرات هذه الحضارة المادية.
ان في الغرب أزمة بل ازمات وقلقاً نفسيّاً واضطراباً في مجرى الحياة وضعفاً بل تدهوراً في الخلق والعواطف ومرضاً بل تردياً في النفس الانسانية واخفاقاً في محاولات الاصلاح الكبرى وحاجة شديدة الى اهداف جديدة وغايات انسانية مشتركة للحضارة وحاجة اشد الى وصل هذا الانسان العاتي الضال بالله مصدر الوجود ومن عنده تلتقي النهايات نهاية الكون ومصير الانسان.. وحينئذ ينقلب انطلاق العقل واكتشاف الكون واستثمار الطبيعة وتنظيم المجتمع واختراع الآلة ونمو الصناعة خيراً ونفعاً وبركة ويمناً وأمناً وسلاماً.
تلك هي الصورة التي نستطيع ان نلتقطها لعالمنا اليوم في مسيرته وللحضارة في صورتها الماثلة في الشعوب التي تسير اليوم في طليعة البشرية.. باسم \"العولمة\".
في ضوء هذه الصورة ينبغي ان نعمل ورسم المخطط لنهضتنا والاهداف لحضارتنا المستقبلية ونحدد نصيبنا في المساهمة.. ودورنا ورسالتنا في العالم ولا بد لنا من اجل ذلك معرفة عناصر اخرى وهي اولا معرفة انفسنا.. حاضرنا وماضينا،
وامكانياتنا وخصائصنا.. وكيف تفاعلنا قديماً مع المبادئ الانسانية وكيف صنعنا حضارتنا وحينئذ نكون قد استكملنا العناصر الضرورية لحل المعضلة والاجابة على المسألة الكبرى وعرفنا نصيبنا من المساهمة ونوع هذه المساهمة في مسيرة \"العولمة\".
ولقد اعتاد الباحثون في العالم العربي وصلته بالعالم البشري العام ان يخصوا بالذكر موقعه الجغرافي بين القارات والبحار والشعوب وهو أمر يجب أن يذكر، ولكنْ ثمة أمر آخر أهم منه يغفلونه على خطورته وهو موقعه الحضاري بين ألوان الحضارات قديما وحديثاً..
ان العالم العربي والاسلامي كما يقع موقعاً متوسطاً بين قارات ثلاث يصل بينها وبين بحار كبرى تمتد فيها سواحله فيشرف منها على سائر أجزاء الأرض يقع كذلك في مثل هذا الموقع من حضارات الشرق والغرب..
ففي الشرق الأقصى ديانات هي في اصلها روحية خالصة بعيدة عن المادة تذهب بالانسان مذهب الصوفية الفردية والخلقية السلبية والروحية الخيالية كالبرهمية والبوذية ولو انها في نهاية المطاف تردت إلى الوثنية.. وفي الغرب والشمال حضارات مادية هي اليونانية والرومانية قديماً والأوربية حديثاً وهي التي لا تعنى إلا بالمادة من قوة الجسم وملذاته وسعة الملك والسلطان وكثرة المال ووفرة الانتاج وكل ما يؤدي إلى ذلك من علم أو تربية وأخلاق..
إن الامة العربية والاسلامية كانت دوماً حين تنهض بالعبء وتتقدم للسير تمثل اللون الكامل والحضارة المتوازنة التي تجمع بين المادة والروح وتقيم الانسجام بينهما لطبع تأصل في نفسها خلال عصور نتيجة اجتماع أسباب وظروف في تاريخها سواء في ذلك عهدها الذي كانت فيه في شيء من العزلة عن العالم غير مضطلعة بعبء القيادة أعني العهد الذي سبق الاسلام وعهدها الذي تحملت فيه عبء القيادة وسارت أمام ركب الأمم بعد الاسلام.. إن طبيعتها الاصلية وفطرتها لم تتغير وإنما الذي تغير هو الأفق الذي تعمل فيه والساحة التي تجري فيها بين أفق محدود وأفق إنساني عام والمثل الأعلى الغامض الجزئي في الجاهلية والكامل الكلي بعد الاسلام.
واذا القينا نظرة سريعة على العرب ومن حولهم قبل الاسلام وجدنا أنهم يمتازون بفطرة انسانية سليمة لم يصبها ما أصاب الفرس من انحلال خلقي وانغماس في الملذات ولا ما وقع فيه اليونان من هذيان الفكر الفلسفي المنفصل عن الحياة وعن الاخلاق العملية ومن خيال اسطوري مغرق في الخرافة وأخلاق بعيدة عن مثالية الفلسفة ونظرياتها الكلامية وعن الانسانية بتمييزها العنصري بين الناس ولا أفسدها ما كان عند الرومان من روح استعمارية استثمارية.
إن عرب الجاهلية هم الذين كانوا بعد الاسلام خير أداة لتنفيذ الرسالة في العالم فمعدنهم واحد لم يتغير وإنما الذي تغير طريقة استثمار هذا المعدن..فالناس ـ كما قال الرسول الكريم محمد صلوات الله عليه وسلم ـ معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا.. إن العربي منذ عهود قديمة ملامس للطبيعة لا يحجبه عنها حاجز ولا تحول بينه وبينها الأساطير منها يتطلع إلى الله الخالق لا إلى الآلهة المزورة المخلوقة ولم تكن الوثنية إلا فترة طارئة في حياته دخيلة عليه من الشعوب المجاورة.. غير متغلغلة في نفسه وكثيراً ما هزئ بها وسخر منها.
لقد كان العربي واقعيّاً في تفكيره يعيش في ضوء الشمس وحرها وعلى أرض الصحراء وفوق رمالها ومع حيوانها ونباتها ولذلك كان أدبه كحياته بعيداً عن الأساطير التي حشا بها الادب اليوناني ولم يكن في تفكيره هذا ابتدائياً فقد عرف الحكم المجرد والكليات العامة ولغته ملأى بالمفردات الدالة على الكليات والمجردات كما هي ملأى بالألفاظ الدالة على المحسوسات والجزئيات..
وكان العربي منذ تلك العهود البعيدة مثالي الاتجاه يفضل المعنى على المادة والشرف على المال وذخيرة الحمد على ذخيرة الثروة والعز والكرامة على النعيم والرخاء.. ولئن كانت المثل الخلقية والروحية في الجاهلية لم تأخذ شكلها الواضح الكامل الواسع الأفق الذي صاغه الله بعد الاسلام.. فإنها كانت في حياة العرب قبل الاسلام تتمثل في اتجاه واضح نحو هذا النوع من المثالية الخلقية وفي نظرة ظاهرة الاستعداد لتقبلها سليمة من التردي والتفسخ والانحلال والاسفاف المخزي الذيوقعت به أمم أخرى مغرفة في الحضارة المادية ومختلفة كذلك عن تلك الروحية الخيالية السلبية الانعزالية التي كانت تتجلى في أمم الشرق. إن أقوال العرب وأعمالهم – وكان القول عندهم يطابق العمل- تدل دلالة واضحة على هذا الاتجاه.. وقصص العرب التي فاضت بها كتب التاريخ وهي قصص حياة واقعية لا قصص خيالية واسطورية كقصص اليونان تجسد تلك الخلال الكريمة المتأصلة وتدل على ما كان يعتلج في نفوسهم من دوافع معنوية وبواعث خلقية ولو أخطأوا الهدف أحياناً أو ضلوا الطريق للوصول إلى تحقيق ما يريدون من خير.
نواصل الأسبوع القادم