كتبت – أماني ماهر :
بعد أن بات ارتفاع معدل الطلاق هاجسا لدى الشارع السعودي خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الظاهرة تشكل نوعا من المعاناة على بعض الشباب، فضلاً عن أنها تضعهم في تشتت ما بين رأي الأم وأفكار الأب؛ مما يجعلهم رافضين كلام كلاهما، فيتخذ الشاب طريقه وحيدا دون استشارة أحد، فمن الواضح أنه لا تقتصر مأساة الطلاق على انهيار بيت الزوجية فقط، وإنما تمتد آثارها السلبية لتضرب الأبناء في صميم شخصيتهم وتكوينهم نفسيا وذهنيا، فكما يشعر المطلقون بالفشل والغضب والاكتئاب في لحظة الطلاق وما بعدها، يشعر أيضا أبناؤهم بالوحدة وعدم الاستقرار وشعور دائم بالضياع.
وقد كشفت دراسات حديثة عن ارتفاع نسبة الطلاق في المملكة في العام الماضي؛ لتصل وفق آخر التقارير الرسمية إلى أكثر من 35% من حالات الزواج، بزيادة عن المعدل العالمي الذين يتراوح بين 18% و22 % ووصلت حالات الطلاق في عام 1431هـ إلى معدل حالة واحدة كل نصف ساعة، بعد أن بلغت عدد حالات الطلاق 18765 حالة مقابل 90983 حالة زواج في العام ذاته، أي بمعدل حالة كل نصف ساعة.
وتؤكد أيضا الأبحاث العلمية والطبية أن أبناء المطلقين يعانون مشاكل نفسية وجسدية تفوق عشرات المرات أقرانهم الذين يعيشون في كنف الأسرة مهما كان حجم المشكلات بداخلها، وهو الأمر الذي أوضحته دراسة مهمة أجرتها مؤسسة \"جوزيف رونتري\" البريطانية باستخدام الأساليب العلمية في دراسة آثار الطلاق على نشأة ونمو الأبناء، حيث قام الباحثون بمقابلة 152 طفلا تتراوح أعمارهم بين 9 و14 سنة ومتابعتهم لمدة تصل إلى عامين، ووجد الباحثون أن الأطفال الذين ينتمون إلى آباء مطلقين بحاجة إلى مساعدة نفسية مستمرة حتى يتقبلوا الأمر الجديد إضافة إلى أنهم يحتاجون إلى نفقات إضافية، وهذا دليل على أنهم سيصبحون شبابا ماديين يهمهم المال بالدرجة الأولى كما يعانون من ضغوط ومشاكل نفسية.
وفي البداية تقول الدكتور هيا عبد العزيز المنيع في أحد مقالاتها، إن حصل الطلاق؛ فلابد من قوة النظام في حفظ الحقوق لكافة الأطراف، وخاصة الأبناء، حيث يقع الكثير منهم ضحية هذا القرار رغم أنه لم يكن شريكا في اتخاذه، وعلى المختصين أيضا من الاستشاريين الاجتماعيين وعلماء الدين والتربية دورٌ كبيرٌ في رفع معدل ثقافة ما بعد الطلاق وتوعية الجميع بأنه قرار قد يرتبط بمصلحة الطرفين، وقد يكون لوجود اختلاف وليس خلافا، وقد يكون لعدم قدرة أحد الطرفين على إسعاد الطرف الآخر، وقد يكون في المجمل حلا لمشكلة لا حل لها سوى الطلاق، والمحصلة النهائية أنه لا يعني تدميرا لأي طرف، بل ربما بداية نجاح لجميع الأطراف.
بينما يقول الدكتور محمد المهدي – أخصائي الصحة النفسية – إن العراك المستمر والخصام الدائم بين الزوجين؛ يسبب العقد النفسية للأبناء، فضلا عن شعورهم بالتعاسة طوال الوقت، كما أن التفكك الأسري يهدد استقرار الأبناء، خاصة إذا لجأ الأب بعد الطلاق إلى الزواج بأخرى ووجود الأبناء معه فتخلق لهم مشاكل كثيرة، وتخلق لهم ضغوط نفسية تكبر معهم وتكون لديهم عقدة تؤثر على حياتهم وتدفعهم إلى الانحراف وضياع مستقبلهم.
ويضيف الدكتور المهدي أن تشتت الأبناء ما بين الأب والأم خاصة في حالة الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية بينهم والانتقال من منزل والده إلى منزل والدته يجعله يعقد عدة مقارنات بين والديه وحياته المشتتة الجديدة؛ مما يصيبه بحالة اضطراب نفسي مستمر، ويخلق من شخصيته شخصية مهزوزة.
ومن جانبه، يرى الدكتور سيد صبحي – أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس – أن إحساس الابن المصاب بانفصال والديه يكون مؤلم جدا، فضلاً عن أنه يشعر دائما بالاختلاف عن الآخرين؛ مما يجعله عُرضة للإصابة بالأمراض النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب، فالمشاكل التي يتعرض لها الأبناء بسبب الطلاق تنعكس على مستواهم الفكري واللفظي في غياب من يصحح له أخطاءه، ويوجهه إلى الصواب والخطأ؛ فسلوك الإنسان مكتسب من البيئة المحيطة به، بحيث تورث الأسر المفككة أجيالها العقد النفسية والعصبية، وتستمر حتى سن الشباب ووقتها تقع الكارثة.
