محمد بن سعود السليم
مستشار التعاون الدولي بالهيئة السعودية للحياة الفطرية
يحتفل العالم وخاصة الدول الاطراف في اتفاقية التنوع الاحيائي (196 دولة) باليوم العالمي للتنوع الأحيائي وذلك يوم 22 من شهر مايو من كل عام والذي يوافق هذا العام يوم الاحد 15 شعبان 1437هـ ولقد صادقت المملكة على هذه الاتفاقية واصبحت طرفاً فيها منذ بداية عام 2002م وتمثل المملكة في هذه الاتفاقية الهيئة السعودية للحياة الفطرية وهي نقطة اتصال الوطنية لها.
ولقد اختير هذا اليوم لإحياء ذكرى تبني العالم لنمص هذه الاتفاقية في 22 مايو 1992م والاتفاق على ذلك النص ولقد اقر مؤتمر قمة الارض (مؤتمر الامم المتحدة للبيئة والتنمية) الذي عقد في ريو دي جانيرو بالبرازيل في الفترة من 3 الى 14 يونيه 1992م هذه الاتفاقية الرئيسية والاساسية من الناحية البيئية مع اتفاقيتين بيئتين اخرتين وهما اتفاقية الامم المتحدة الاطارية لتغير المناخ واتفاقية الامم المتحدة لمكافحة التصحر. وتعتبر اتفاقية التنوع الاحيائي من اهم الاتفاقيات البيئية، ان لم تكن اهمها في العال حتى الآن لكونها تهدف الى وتعمل على المحافظة على اهم ما يملكه الانسان على وجه الارض وهي الموارد الطبيعية البيئية المتجددة والمتنوعة. وتصب نتائج وفوائد هذه الاتفاقية في مصلحة جميع من على هذا الكون من مخلوقات بشر وغير بشر بشكل مباشر او غير مباشر لانها تحافظ على اساسيات لبقاء الانسان والمخلوقات الاخرى على كوكب الارض. في هذا المقال سنستعرض بعض هذه الفوائد والتي تمس حياة الانسان بشكل مباشر مثل ما يلي:
الغذاء
يعتبر التنوع الاحيائي المصدر الرئيسي والاساسي للغذاء بجميع انواعه ومكوناته النباتية والحيوانية البريد والبحرية ولقد ورد عن علماء من جامعة ولاية كولورادو الامريكية انه يوجد ما لا يقل عن 80.000 نوع تم التعرف عليا من النباتات المأكولة في العالم ولكن مصدر 90% من غذاء الانسان يأتي من 20 نوع فقط من هذه الانواع وبينت منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة انه قد تمت دراسة اقل من 800 نوع فقط من الاشجار لمعرفة امكانية استخدامها من بين حوالي 80.000 نوع شجري أي انه تامت دراسة فوائد ما يقل عن 1% من الاشجار والبقية لم تدرس فوائدها بعد واورد المصدر نفسه ان اكثر من 80% من الوجبة الغذائية البشرية يأتي من النباتات وان خمسة انواع فقط من الحبوب هي مصدر طاقة حوالي 60% من البشر.
الدواء
تم استخراج الكثير من الادوية والعلاجات من النباتات والحيوانات المختلفة على مر الازمات والعصور فالبنسلين مثلا الذي انقذ حياة الملايين من الناس والاسبرين الذي خفف آلام الملايين ايضا وغيرهما من الادوية والعلاجات استخلصت من انواع فطرية من حيوانات ونباتات طبيعية وعلاوة على ذلك فانه لا احد حتى الآن يعرف ما يمكن اكتشافه من علاجات لامراض ومستخلصات طبية مفيدة مصادرها من هذا التنوع الطبيعي ومن اثمن الفوائد ما ورد في كتاب “الطب النبوي” هالذي تطرق لمعالجة الانسان بدنياً ونفسياً بناءاً على ما ورد وما روي عن رسول الله عليه افضل الصلاة والتسليم. ولقد ورد في ذلك الكتاب فوائد طبية عظيمة مبنية اساساً على فوائد النباتات والحيوانات.
الجوانب الاخلاقية والجمالية
هناك اسباب رئيسية اخرى تحتم علينا الاهتمام بالمحافظة على الحياة الفطرية والتنوع الاحيائي وهي الناحية الدينية والاخلاقية ولان الله عز وجل لم يخلقها عبثاً وانه سبحانه وتعالى استخلف الانسان في الارض ليعمرها وما عليها ولم يورثه اياها ليتصرف بها او يعبث بها كما شاء. كذلك الناحية الجمالية التي تضيف الى حياتنا قيمة اضافية من خلال الاستمتاع بجمال الطبيعة بجمال الطبيعة وما تحويه من مخلوقات متعددة وجميلة المنظر والشكل هذه الاسباب يضاف لها جوانب علمية واقتصادية اخرى متعددة.
ولعل اهم ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع بعد الله عز وجل هو ما ورد في كتابه الحكيم مثل ما قال تعالى في وصف تنوع الحيوانات في سورة النور: “والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير” (الآية 45) كما قال تعالى في سورة البقرة، فيما يخص قدرته عز وجل في مخلوقاته بما فيها من نباتات وحيوانات وتنوعها: “ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء متن ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابه وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون” (الآية 164). وبين المولى عظمته وقدرته في سورة الحجر الدور البيئي والتنوع النباتي في الغذاء، وقال تعالى : “والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين” (الآيتين 19 و20).
كذلك فان للعرب قبل الاسلام وخاصة في الجزيرة العربية من جنوبها الى شمالها فهماً يشابه الى حد كبير ما حث عليه ديننا الحنيف ونبينا محمد عليه افضل الصلاة والتسليم. لقد انشئ في الجزيرة العربية حوالي 2000 موقعاً وربما اكثر من ذلك في اماكن مختلفة من الجنوب الغربي وغرب المملكة (حالياً) انشأها سكان القرى والمجتمعات السكانية واصحاب النفوذ والقرار وكان الهدف الرئيسي منها هو المحافظة على الغطاء النباتي بمختلف مكوناته للاستفادة منه وقت الحاجة. ولقد سمي الموقع الواحد من هذه المواقع (بالحمى) ولقد انتشرت هذه الاحمية في الجزيرة العربية قبل الاسلام وامتدت الى اجزاء من بلاد الشام واستمرت تلك الاحمية بعد ظهور الاسلام مع استمرار الهدف الرئيسي من اقامتها الا وهو المحافظة على الغطاء النباتي الطبيعي وتنوعه للاستفادة منه في عدا اغراض مثل الرعي عند الحاجة والاحتطاب والبناء وانتاج العسل وغير ذلك ولقد ورد في صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وهو موقع ماء في المدينة المنورة لترعي فيه ابل الصدقة ونعم الجزية. وبعد ذلك اقام امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه – حمى لابل الصدقة في منطقة تسمى ضريه او الربدة في عالية نجد وخصص هذا الحمى ايضاً لرعي ابل الدولة الاسلامية آنذاك.
ولقد استمر اهتمام المسلمون وغيرهم بالتنوع الاحيائي الى العصر الحديث فأقيمت المحميات الطبيعية بمختلف مسمياتها وانماطها لتعمل في المقام الاول على الحفاظ على الموارد الطبيعية البيئية المتجددة وادارتها واستخداماتها والاستفادة منها بشكل مستدام وسنت القوانين والتشريعات لتحقيق تلك الاهداف منذ عشرات السنين وقبل ظهور اتفاقية التنوع الاحيائي واستمرت الى الآن وصادقت جميع الدول العربية والاسلامية على هذه الاتفاقية وقد تكون جميعها تحتفل حالياً بشكل او بآخر بما فيها المملكة باليوم العالمي للتنوع الاحيائي وبإنجازاتها وجهودها في المحافظة عليه.
اهتمام العالم بالتنوع الأحيائي
