الأرشيف الثقافيـة

انور حامد.. نسج اليومي المؤلم بسخرية ومرارة

جورج جحا
يقدم انور حامد في روايته \"شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا\" نموذجاً قصصياً غريبا يعرض الحياة اليومية ببساطتها المؤلمة والمرة دون ان يشعر القارىء بأن الكاتب يعده باكثر من ذلك.
وطوال الرواية يرافق القارىء شعور بأنه يعرف او يكاد يعرف كل ما سيجري في الرواية لكنه مع ذلك لا يشعر بملل بل بقدر من المتعة لقدرة الكاتب على سرد \"العادي\" بما يجعله مستساغا. لكن يجدر بنا طرح سؤال هو \"هل نستطيع ان نعتبر عاديات الحياة التي تجري تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي او على مقربة من مناطقه عادية؟ وإلى اي درجة هي كذلك؟!\"
تحتم هذا التساؤل معرفتنا -عبر وسائل الاعلام- بيوميات حياة الفلسطينيين المأساوية. الا ان الامر يبقى مختلفا من خلال رويات وقصص حية كتلك التي يقدمها لنا انور حامد ببساطة نحار في ما اذا كانت مدروسة او \"طبيعية\". وفي النتيجة فالكاتب ينقل الينا كثيرا من نبض هذه الحياة اليومية مما يجعلنا وإلى حد بعيد نعيش فيها.
رواية انور حامد الكاتب الفلسطيني المقيم في لندن جاءت في 133 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
والواقع ان رواية شهرزاد التي تقطف الزعتر في بلدة عنبتا الفلسطينية -بما ضمنها الكاتب من رمزي ومن واقعي هو ابن الحياة اليومية- لا تبدو رواية بالمعنى المألوف. فأشخاصها مثلا هم اقرب الى نماذج تشبه ما يحكى عن بعض زوايا حياة الناس في ظل الاحتلال. وهذه الشخصيات ليست ذات حدود فنية مرسومة بعناية ومشكلاتها النفسية عامة شائعة في مثل اوضاع حصار من هذا النوع وكذلك فمشاغلها الفكرية محدودة ايضا ومألوفة عند معظم \"المعذبين في الارض\". الا ان ما جعلها لا تشبه تقريرا اجتماعيا او دراسة اجتماعية لاوضاع معينة هي قدرة حامد على ان ينفخ فيها دفء حياة عادية.
وتبدو الرواية كأنها رواية حياة جماعة او شعب من خلال مجموعة قصص فردية تتقارب هنا وتتشابه هناك لترسم في مجموعها قصة الناس كلهم وسط هذا الحصار. وقد يحتاج القارىء الى بعض الصبر والتساؤل العميق ليدرك تماما – إذا استطاع- كل معاني ما رمز اليه الكاتب من حيث عنوان الرواية وأين تقع شهرزاد مثلا وهل موقعها عند الكاتب نفسه ام في عنبتا؟
وفي سردية ومرارة وتبسيط \"شعبي\" احيانا من حيث اللغة يقول انور حامد في مقدمة اعطاها اسم \"اهداء\" ان شهرزاد \"ما عادت تنسج الحكايات من دموع العذارى وآهات الحيارى. شهريار الملك حين ادركه الصباح وطاردته الاشباح تلفع بعباءة النجاة واعتلى بساط الريح وفر هاربا من مردة تجسدوا من قلب الليل واشباح انذرت بالويل. وشهرزاد التي سئمت الطغيان وعافت سطوة السلطان خلعت الشفوف وعادت تأكل السفوف وتسكن الكهوف وتقطف الخرشوف ولا تروي بل تعيش الحكاية من البداية الى النهاية…\"
ترى أيردد لنا حامد هنا بطريقة او بأخرى مقولة اوسكار وايلد المناقضة لنظرية ارسطو في المحاكاة وهي \"الحياة تقلد الفن؟\" يبدأ حامد الرواية بالفكرة نفسها الى أن ينهيها بها وخلاصتها ان عذاب الفلسطينيين لا نهاية له. يستمهل \"يوم الأربعاء\" رمزا لما لا يأتي.. فكأنه -على بعد التشبيه- يقول مع عمر بن أبي ربيعة \"كلما قلت متى ميعادنا/ ضحكت هند وقالت: بعد غد.\"
يتحدث في البداية عن \"عمي محمود\" الذي كان دائما محط الاعجاب و\" لعل اهم ما يثير اعجابنا في شخصيته بالاضافة الى حكاياته التي لا تنتهي -معظمها من نسج خياله- هي حكمته السليقية في التعامل مع امور الدنيا ومآزقها الحياتية ومنها مأزق الزوجية …\"
وتبدو شخصة العم محمود -على ظرفها- كأنها ألصقت لصقا بالرواية دون مبرر كاف سوى ان الكاتب سيختم روايته بكلام العم محمود عن يوم الاربعاء. سئل العم مرة متى سينسحب الاسرائيليون فقال بثقة بالنفس \" يوم الاربعاء\". ومرت ايام اربعاء كثيرة دون انسحاب بل ازدادت الاعتقالات. وسر حكمة العم محمود تكمن في قوله مبررا \"مش هاي الاربعاء\".
يقول الكاتب بلسان الراوي \"وسر هذه القدرة يكمن في الحكمة التي اكتشفها ولخصها عمي محمود: يوم الاربعاء سيتغير الوضع فجأة: ستنسحب القوات الاسرائيلية وتقوم الدولة العتيدة التي ستقضي على البطالة والبؤس وتضمد الجراح وتوزع التفاح وتنعش الارواح. كل هذا سيحصل يوم الاربعاء. ولكن اي اربعاء؟ غير مهم…\"
من شخصيات الرواية \"برهان\" رب العائلة الفقير الذي يضطر الى التوجه الى داخل اسرائيل وبطريقة غير شرعية ليجد عملا يوفر لعائلته لقمة العيش وليعرض نفسه لأخطار اقلها شأنا الاعتقال ودفع غرامة او الموت برصاص الجنود الذين قد يعتبرونه مخربا متسللا. يسأله صحافي اجنبي بعد ان افرج عنه من الاعتقال بدفع غرامة عن سبب ضحكه فيرد قائلا للمترجم \"قول له الله سترها. اعتقلونا العصر. كنا خلصنا شغل. لو اعتقلونا الصبح كان راح علينا شغل اليوم.\"
العائلة تعمل.. الام والاولاد بعد المدرسة في امور منها رعاية البقرة التي يشكل لبنها بعض مورد عيشهم. الاحلام كبيرة واليد قصيرة. برهان لا يهتم بالامور السياسية.. ليس هنا ولا هناك.. لا يصلي مع هؤلاء ولا يتظاهر مع اولئك لكنه صديق الجميع ويحب الجميع. الا ان هذا كله لا ينفع فعندما رفض ابنه يوسف ان ينخرط في العمل السياسي في مدرسته وصفوه بانه ابن عميل وعندما انخرط صار يوصف بانه ابن مناضل يعرض نفسه للموت من اجل العيش بكرامة.
وتستمر الصراعات. الخال ابراهيم متدين متشدد لكنه يمضي ايامه في المقاهي تاركا زوجته لتعمل وتعيل العائلة. انه دائما يهدد ابنة اخته بانه سيذبحها اذا جلبت العار للعائلة من خلال الافلام والاغاني \" السيئة\" التي تهتم بها كأفراد جيلها.
وكأن كل هذه الهموم لا يكفي.. فلابد من صراع بين \"الاخوة\". تسري اشاعة بأن فدوى ابنة اخت هذا الرجل المتدين كانت تلتقي شابا من معارفهم فيهجم الخال على البيت شاهرا سكينه عازما على ذبحها.
يشهر يوسف شقيق فدوى مسدسه الذي اعطي له بعد \"انخراطه\" ويطلق النار على خاله فيرديه قتيلا.
يقول المحامي للعائلة انه سيخرج قريبا لان الامر جاء دفاعا عن النفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *