الثقافيـة

انكسار الأبيض

بقلم:مشعل عيضة الحارثي

هناك في مدخل احد الأسواق.. وعلى احد الأرصفة.. ووسط الضجيج والجلبة وأصوات أبواق السيارات وحركة القادمين والمغادرين للسوق التي لا تعرف الهدوء والسكينة إلا في الهجع الأخير من الليل.. جلست الأم البائسة مع وحيدها ذو الأربعة أعوام تتسول المارة والعابرين تستجديهم ليدفعوا لها شيئاً من المال ليسد رمقهما بعد ان وجدت نفسها وصغيرها بين يوم وليلة وحيدين في المدينة وبلا مأوى ولا عنوان بعد فقد الزوج والأهل والأقارب.
على نفس الرصيف افترش احد باعة العاب الأطفال المتجولين بجسمه الناحل وشعره المنكوش وقميصه الرث ولفافات القماش المخططة الملتفة حول خصره مكاناً له بالقرب منهما ليعرض بضاعته على مرتادي السوق.. واخذ يصف بضاعته بشكل جذاب ليلفت أنظار المارة والعبارين.. شغل بعض الألعاب.. وزعها هنا وهناك.. اخذ ينادي ويدعو القادمين للتعرف على ما لديه من بضاعة.
في غفلة من الأم تحرك صوت الطفولة والبراءة في كوامن طفلها وهو يشاهد بدهشة معروضات الجار الجديد.. الذي حل بالقرب منهم فتسلل من جوار امه واتجه الى هذه الحفلة المكتظة بالبهجة والفرح.. وبحركة لا إرادية توجه صوب إحدى هذه الألعاب وأخذها بينه يديه وما كاد يمسكها حتى تقدم اليه البائع ونهره بشدة وانتشلها منه بعد ان دفعه للوراء واعاد اللعبة الى موضعها.. ختم الأسى والانكسار على طفل الرابعة ونظر الى امه يستنجدها بنظراته الواجمة بان تجلب له تلك اللعبة ولكن لا مجيب فأمه مشغولة باستجداء الناس واستعطافهم وعيناها معلقة بحركة القادمين والمغادرين.. فلم يجد أمامه مخرجاً الا ان يتقهقر الى الخلف قليلا ويتقوقع على نفسه ويجلس القرفصاء بجوار الأكوام الفارغة من علب الكرتون التي كانت تغلف تلك الالعاب ويكتفي بامتاع نفسه بالنظر لتلك الالعاب بين لعبة ذلك القرد الذي يتقافز بحركات بهلوانية وصوت تلك الدجاجة التي تسير وتضع بيضها خلفها، والالعاب المضيئة المبهرة بألوانها الزاهية وهو في حركة وتناغم وانسجام مع حركات هذه اللعبة وتلك وكان ما بين اللحظة والاخرى يرسل سيلا من الابتسامات والضحكات البيضاء التي لا تعترف بأي فضاء.
في الركن الشرقي من السوق كان احد المارة يقف هناك ويهم بدخول السوق شاهد امامه تفاصيل هذا المنظر والصورة.. فتذكر أولاده.. وانه حرم من الانجاب بعد زواجه لأكثر من عشرين عاماً حتى أكرمه الله بالذرية فحمد الله كثيراً.. حن قلبه.. رقت مشاعره.. اقترب من صاحب الألعاب .. حدق في تلك اللعبة التي كانت أنظار الطفل تتسمر عليها ويتحرك معها يمنة ويسرة.. انتشلها من الارض بحركة خاطفة ولمح كيف ان روح الطفل كادت ان تشهق منذ ان وضع يده عليها ورفعها إليه وكأنه يعاتبه ويوجه له لوماً قاسياً في اقتحامه لعالمه الجميل وما سببه له من إفساد لتلك المتعة المجانية.. سأل الرجل البائع عن ثمنها.. لم يفاصل في القيمة.. نقده الثمن.. نظر الى الطفل الذي انشغل بالنظر الى لعبة اخرى.. اقترب منه ناداه.. سأله عن اسمه.. لم يجب.. ربت على كتفه واعطاه اللعبة.. وقبل ان يغادر قبله على جبينه ثم تلاشى بين الجموع.. فرح طفل الرابعة وعلت ضحكاته وزاد بشره وسروره وهو يمسك بتلك اللعبة بين يديه.. هرول مسرعاً نحو أمه التي ما ان رأته وهو يحمل تلك اللعبة حتى ظنت انه اخذها بدون علم صاحبها.. فانتشلتها منه بقوة ووجهت له سيلاً من اللوم والتقريع على فعلته واتجهت الى صاحب الالعاب.. اعتذرت له واعادت له اللعبة.. لكنه رفض استرجاعها بعد ان اخبرها بان احد المارة اشتراها قبل برهة واهداها لطفلها.. بعد ان عرفت الحقيقة أخذت تتوصل اليه ان يسترجعها ويعطيها ثمنها لانها بحاجة الى النقود.. بعد رفض ومماطلة وافق البائع وعرض عليها ان يسترجعها بنصف ثمنها الذي باعها به فوافقت على الفور.. قبضت الثمن وسحبت وحيدها الذي عاد بيدين خاويتين فانكسر قلبه الأبيض وتحجرت الفرحة داخله فسقطت عبراته وعلا صراخه فيما عيناه لازالت معلقة تارة بتلك اللعبة.. وتارة نحو امه وهو يستنجدها بان تعيده لعالمه الجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *